قصه ام مراتي

لمحة نيوز

وأكتب لك الكلام اللي مش بعرف أقوله بصوت عالي.
لو حصل لي أي شيء، أوعى تخلي الحزن يسرق منك عمرك. البنات محتاجين أب يضحك معاهم، مش أب يقضي حياته يعاقب نفسه على اللي حصل.
حطيت الورقة على رجلي، وغطيت وشي بإيدي.
كنت فاكر إن مريم ماټت وهي خاېفة، وإن آخر لحظاتها كانت مليانة ألم وقلق.
لكن رسالتها كانت بتقول إنها كانت بتحاول تجهزنا للحياة، حتى وهي مش عارفة إيه اللي مستنينا.
سألت حماتي
طيب، إيه الحقيقة اللي كنتوا مستنيين تقولوهالي؟ لسه فيه حاجة مش فاهمها!
حماتي أخدت نفسًا طويلًا، وطلعت من الملف ورقة صغيرة كانت مطوية بعناية.
فيه حاجة بنتي طلبت مني أعملها بعد ولادتها، وكنت مستنية الوقت المناسب عشان أقولك.
فتحت الورقة، ولقيت إنها تعليمات مكتوبة بخط مريم، فيها أسماء أشخاص وتفاصيل عن حاجات كانت عايزة تتجهز بعد الولادة.
لكن في آخر الورقة، كان فيه سطر خلاني أبصلها پصدمة
لو أحمد بدأ يلوم نفسه، لازم تفهميه إن القرار اللي أخده في المستشفى مش كان ضدّي، وإن فيه حقيقة طبية لازم يعرفها من الدكتور بنفسه.
بصيت لحماتي وقلت
حقيقة طبية؟ يعني إيه؟ هو كان فيه احتمال إن مريم تعيش؟
حماتي دموعها نزلت، لكنها مردتش فورًا.
وبعد لحظات قالت
أنا مش
هقدر أشرح لك حاجة طبية مش من حقي أفسرها، لكن مريم كانت عايزاك ترجع للدكتور اللي كان متابع حالتها، وتسمع منه كل التفاصيل بدل ما تفضل ټعذب نفسك بالتخمين.
في اللحظة دي، فهمت إن الرسائل مش هتديني الإجابة اللي بدور عليها لوحدها.
مسكت تليفوني، وطلبت رقم المستشفى الموجود في التقرير.
ولما الموظفة ردت، طلبت منها أوصل للدكتور اللي كان متابع حالة مريم يوم الولادة.
بعد دقائق من الانتظار، سمعت صوته على الطرف التاني.
عرفته فورًا.
كان هو نفس الدكتور اللي سألني يومها عن القرار.
قلتله بصوت مرتعش
يا دكتور، أنا أحمد، جوز مريم أنا محتاج أفهم اللي حصل يوم الولادة. بقالي تلات شهور مش عارف أنام، وكل يوم بسأل نفسي إذا كان فيه حاجة تانية كان ممكن أعملها.
سكت الدكتور للحظات، وبعدين قال
يا أستاذ أحمد، أنا فاكر حضرتك كويس، وفاكر اليوم ده بالتفصيل. لو تقدر تيجي المستشفى، فيه تفاصيل في الملف الطبي لازم نشرحها لك بهدوء.
سألته بلهفة
يعني كان فيه أمل؟
رد بحذر
مينفعش أديك إجابة من غير ما نراجع كل التفاصيل مع بعض، ومش عايز أقول لك كلام يديك أمل كاذب أو يخليك تلوم نفسك أكتر.
قفلت المكالمة، وبصيت لحماتي.
كانت واقفة جنبي، ولأول مرة من يوم ۏفاة بنتها، حطت إيدها على كتفي وقالت
أنا مش جاية النهارده عشان أحاسبك يا أحمد. أنا جاية عشان أساعدك تعرف الحقيقة، وتقدر تربي بناتك من غير ما تفضل شايل ذنب مش ذنبك.
وفي صباح اليوم التالي، أخدت بنتَيَّ مع أختي، ورحت المستشفى.
كنت خاېف من الإجابة، لكن كنت عارف إن مفيش طريق تاني غير إني أواجه اللي حصل.
ولما دخلت مكتب الدكتور، فتح الملف الطبي، وبدأ يشرح لي حالة مريم قبل الولادة.
وبعد ما خلص مراجعة التقارير، رفع عينيه وبصلي وقال
يا أستاذ أحمد، فيه نقطة مهمة لازم تفهمها كويس قرارك في اللحظة دي لازم يتقيّم على أساس المعلومات اللي كانت متاحة وقتها، مش على أساس اللي حصل بعد كده.
وبعدين أشار إلى نتيجة في الملف، وقال
لكن فيه تفصيلة في تقرير مريم الأخير، لو فهمتها صح، هتساعدك تعرف ليه هي أصرت إنك تحافظ على حياة البنتين مهما حصل.
فضلت باصص للتقرير، مستني يكمل.
لأن المرة دي، مكنتش بدور على طريقة أرجع بيها الماضي
كنت بدور على الحقيقة اللي مريم سابتني عشان أعيش بيها المستقبل.
الدكتور سكت شوية، وبعدين لفّ شاشة الكمبيوتر ناحيتي وقال
يا أحمد، مراتك كانت عارفة إن الحمل فيه مخاطر، لكنها كانت بتتابع حالتها وبتحاول تعمل كل اللي تقدر عليه عشان توصل لليوم اللي تشوف فيه بناتها.
بصيتله وقلت بلهفة
طب ليه مصممة إنها تنقذ البنات حتى لو هي راحت؟ كانت عارفة إن ده ممكن يحصل؟
الدكتور رد بهدوء
مريم كانت مدركة إن حالتها خطېرة، لكنها مكنتش تعرف النتيجة مسبقًا، ومحدش كان يقدر يضمن إيه اللي هيحصل. وقت الأزمة، الفريق الطبي تعامل مع الوضع الطارئ، وإنت كنت تحت ضغط هائل.
حسيت إن الدموع بټغرق عيني.
بس أنا وافقت يا دكتور! أنا اللي قلت أنقذوا البنات!
رد عليَّ بحزم وهدوء
إنت كنت بتحاول تحافظ على حياة بناتك في موقف صعب جدًا. متقدرش تحمّل نفسك مسؤولية النتيجة لمجرد إنك وافقت على القرار اللي اتطلب منك.
وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع ظرفًا صغيرًا.
مريم سابت ده عندنا، وطلبت إننا نسلمهولك لو احتجت ترجع تراجع تفاصيل حالتها. قالت إنك ممكن تفضل تسأل نفسك أسئلة كتير، وإنك هتحتاج تسمع منها كلام يطمنك.
مد إيده بالظرف.
فتحته، ولقيت صورة ليا أنا ومريم يوم ما عرفنا إننا هنرزق بتوأم. كنت شايل صورة السونار، وهي بتضحك وبتشاور على الشاشة.
وخلف الصورة، كانت كاتبة
يا أحمد، لو وصلت لليوم اللي مش هكونش فيه جنبك، عايزاك تفتكر إن أسعد لحظة في حياتي كانت لما عرفت إننا هنكون أب وأم لبنتين.
متخليش آخر يوم ليا يمسح كل الأيام الحلوة اللي عشناها سوا.
أنا اخترت أواجه مخاۏفي، وإنت حاولت تحافظ على بناتنا. ومهما حصل، متخليش الحزن يقنعك إن حبك ليا كان ناقص.
انهرت في البكاء.
فضلت أكرر اسمها، كأني مستنيها تدخل من الباب وتقوللي إنها لسه موجودة.
لكن فجأة، افتكرت كلام حماتي عن السر اللي مريم كانت مخبياه.
بصيت للدكتور وسألته
طيب، هي كانت تقصد إيه بقرارها الأخير؟ فيه حاجة تانية غير موضوع الولادة؟
الدكتور رجع للملف، وقال
على حد علمي، مريم كانت رتبت بعض الأمور العائلية قبل الولادة، لكن التفاصيل دي لازم تسأل عنها أسرتها.
خرجت من المستشفى وأنا ماسك الصورة والجواب، وحاسس إني لأول مرة من
تلات شهور قادر آخد نفسًا كاملًا.
لكن لما رجعت البيت، لقيت حماتي قاعدة مع بنتَيَّ، وبتقلب في صندوق قديم كانت مريم محتفظة بيه.
أول ما شافتني، قالت
كنت عارفة إنك هتروح للدكتور. دلوقتي أقدر أقولك على الجزء الأخير من الحكاية.
قعدت قدامها، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحت الصندوق وطلعت دفترًا صغيرًا.
مريم كانت بتكتب فيه كل حاجة عن البنات، من أول يوم عرفت فيه إنها حامل. وكانت عايزة تسيبهولهم لما يكبروا.
فتحت أول صفحة، ولقيت أسماء بنتَيَّ مكتوبة بخطها، وتحت كل اسم رسالة صغيرة.
لكن الصفحة الأخيرة كانت مختلفة.
كان مكتوب فيها
يا أحمد، لو بنتي الكبيرة سألتك يومًا عن أمها، متحكيلهاش بس عن اليوم اللي فقدتني فيه. احكيلها عن اليوم اللي اخترنا فيه أسماءهم، وعن ضحكتنا، وعن البيت اللي كنا بنحلم نبنيه سوا لأن دي هي حياتي الحقيقية، مش آخر لحظة فيها.
رفعت عيني لحماتي، وقلت
أنا مش عايز بناتي يكبروا وهم فاكرين إنهم السبب في مۏت أمهم.
حماتي مسكت إيدي وقالت
وده بالضبط اللي بنتي كانت عايزاه منك.
في اللحظة دي، سمعت صوت بكاء واحدة من البنات في الغرفة التانية.
قمت بسرعة وشيلتها، وفضلت أبصلها وهي بتفتح عينيها الصغيرتين.
ولأول مرة، بدل ما أسأل نفسي إذا كنت أخطأت يوم ولادتها، سألت نفسي سؤالًا مختلفًا
إزاي أخليها هي وأختها يعرفوا إن أمهم حبتهم من أول لحظة، وإن أبوهم هيعمل كل اللي يقدر عليه عشان يعيشوا حياة مليانة حب وأمان؟
لكن قبل ما أقفل الدفتر، لاحظت إن فيه ورقة مطوية ورا الغلاف، مكتوب عليها اسمي.
فتحتها، وقرأت أول سطر
أحمد، فيه أمنية أخيرة ليا، ومحتاجة منك وعد
فتحت الورقة بسرعة، وبدأت أقرأ كلام مريم، وكل سطر كان بيخليني أحس إنها لسه موجودة معايا.
حبيبي أحمد،
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى بناتنا كبروا شوية، ويمكن تكون بدأت تتعود على الحياة من غيري.
عارفة إنك هتفضل فاكر يوم الولادة، وهتسأل نفسك كل يوم إذا كنت تقدر تعمل حاجة مختلفة.
بس عندي طلب واحد، أرجوك متنساهوش.
قبل ما تعرف إني حامل في التوأم، كنت بتقولي إن نفسك يكون عندنا بيت صغير، فيه جنينة، والبنات يلعبوا فيها وإحنا قاعدين نتفرج عليهم.
أنا عايزاك تحقق الحلم ده، حتى لو مش معايا.
مش لازم يكون بيت كبير، ولا لازم يكون كل شيء مثالي. كل اللي يهمني إن بناتنا يكبروا وهما حاسين بالأمان، وإنهم يعرفوا إن أبوهم عمره ما تخلى عنهم.
وقفت عن القراءة، وبصيت ناحية البنات.
كانوا نايمين جنب بعض، وكل واحدة ماسكة صباع أختها الصغيرة.
رجعت للرسالة، ولقيت مريم كاتبة
وفيه حاجة تانية يا أحمد.
أمي هتكون محتاجة لك، حتى لو مش عارفة تقول لك ده. متزعلش منها لو بعدت عنك، لأنها هتكون بتتعامل مع فقدان بنتها بطريقتها.
افتكر إنها أمّي، وإن ۏجعها كبير زي وجعك.
ساعدها تفضل قريبة من البنات، وخليهم يعرفوا جدتهم كويس.
أول ما خلصت، بصيت لحماتي وقلت
أنا آسف يا
تم نسخ الرابط