قصه ام مراتي
أحمد، دي آخر رسالة من مريم، وفيها طلب أخير لازم تقرأه بنفسك.
فتحت الظرف بسرعة، ولقيت جواه جوابًا من مريم، ومعاه مفتاح صغير وورقة مكتوب عليها عنوان مكان قريب من البيت القديم.
بدأت أقرأ
حبيبي أحمد،
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى قدرت ترجع البيت اللي كنت بحلم بيه، وقدرت تخلي بناتنا يكبروا وسط الناس اللي بيحبوهم.
أنا فخورة بيك، حتى لو إنت لسه مش قادر تشوف ده بنفسك.
لكن فيه حاجة أخيرة نفسي تعملها عشاني.
روح للعنوان المكتوب في الورقة، وخد معاك البنات وأمي. هتلاقي هناك حاجة كنت بجهزها ليهم من قبل ما يتولدوا.
فضلت أبص للرسالة، وأنا بحاول أفهم مريم كانت تقصد إيه.
تاني يوم الصبح، أخدت البنات وحماتي، وروحنا للعنوان.
كان المكان مركزًا صغيرًا لرعاية الأطفال، وفيه حديقة واسعة وأوضة مليانة كتب وألعاب.
استقبلتنا مديرة المركز، ولما عرفت إننا أسرة مريم، ابتسمت وقالت
إحنا كنا مستنيينكم. مريم كانت بتيجي هنا قبل ولادتها، وكانت بتساعدنا في تجهيز مكتبة صغيرة للأطفال.
بصيت لها باستغراب.
مريم كانت بتعمل كل ده؟
هزت راسها وقالت
كانت بتحلم إن كل طفل يكون عنده فرصة يتعلم ويلعب ويحس بالأمان. وطلبت مننا نحتفظ بالمكتبة باسمها، ونستناكم لحد ما تكونوا مستعدين تشوفوها.
دخلنا الأوضة، ولقيت رفوف الكتب مترتبة، وعلى الحيطة لوحة مكتوب عليها
مكتبة مريم الصغيرة لكل طفل يستحق بداية جميلة.
حماتي حطت إيدها على بقها، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم.
أما أنا، ففضلت واقف مكاني، مش قادر أصدق إن مريم كانت بتخطط لكل ده وهي مشغولة بتجهيز نفسها لاستقبال بنتيها.
مديرة المركز ادتني دفترًا، وقالت
مريم كتبت رسالة للأطفال اللي هييجوا المكتبة، وكانت عايزة بنتيها يكونوا أول ناس يسمعوها.
فتحت الدفتر، وبدأت أقرأ بصوت مسموع
يا أصدقائي الصغيرين،
يمكن تكونوا لسه مش عارفين أحلامكم هتوصلكم لفين، لكن متستعجلوش الحياة.
اتعلموا، والعبوا، واسألوا عن كل حاجة مش فاهمينها.
وافتكروا إن الإنسان مش بيتقاس بكمية الحاجات اللي عنده، لكن بالخير اللي بيقدر يسيبه في حياة غيره.
ولو قابلتوا يومًا حد حزين، حاولوا تكونوا سببًا في ابتسامته.
يمكن كلمة طيبة منكم تغيّر يومه كله.
لما خلصت القراءة، بنتي الكبيرة بصتلي وسألتني
يا بابا، ماما كانت بتحب الأطفال كلهم؟
ابتسمت وقلت
أيوه يا حبيبتي، وكانت نفسها تساعدهم.
ردت بحماس
طب إحنا ممكن نيجي هنا كل أسبوع ونقرأ لهم قصص؟
بصيت لحماتي، ولقيتها بتبتسم وسط دموعها.
قلت للبنات
طبعًا. وهنخلي ده وعد بيننا وبين ماما.
ومن الأسبوع ده، بقينا نزور المكتبة بانتظام. البنات يختاروا القصص، وأنا أقرأ للأطفال، وحماتي تساعد في ترتيب الكتب وتجهيز الأنشطة.
ومع مرور الوقت، بقى المكان مليان ضحك وحكايات وصداقات جديدة.
وفي يوم، وأنا واقف قدام لوحة المكتبة، حسيت إن مريم أخيرًا بقت حاضرة في حياتنا بطريقة مختلفة؛ مش من خلال الحزن بس، لكن من خلال الخير اللي كانت بتتمنى تسيبه وراها.
رجعت البيت بالليل، وفتحت دفترها مرة أخيرة.
كان فيه سطر صغير في آخر
صفحة، مكتوب بخطها
يا أحمد، متفتكرش إن آخر قرار أخدناه سوا هو اللي بيعرّف حكايتنا. حكايتنا الحقيقية هي كل الحب اللي عيشناه، وكل الخير اللي هيفضل موجود بعدنا.
قفلت الدفتر، وبصيت ناحية أوضة البنات.
كانوا نايمين في هدوء، وعلى الكومودينو صورتهم مع صورة أمهم.
وقتها فهمت إن مفيش رسالة تقدر ترجع مريم، ومفيش إجابة تقدر تمسح ۏجع الفقد تمامًا.
لكن كان عندي اختيار كل يوم إني أعيش أسيرًا للحظة اللي خسرتها فيها، أو أكون الأب اللي كانت بتتمنى بناتها يلاقوه جنبهم.
واخترت إني أكمل مش لأني نسيتها، لكن لأني هفضل أحبها وأنا ببني الحياة اللي حلمنا بيها سوا.
فتحت الظرف بسرعة، ولقيت جواه جوابًا من مريم، ومعاه مفتاح صغير وورقة مكتوب عليها عنوان مكان قريب من البيت القديم.
بدأت أقرأ
حبيبي أحمد،
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى قدرت ترجع البيت اللي
كنت بحلم بيه، وقدرت تخلي بناتنا يكبروا وسط الناس اللي بيحبوهم.
أنا فخورة بيك، حتى لو إنت لسه مش قادر تشوف ده بنفسك.
لكن فيه حاجة أخيرة نفسي تعملها عشاني.
روح للعنوان المكتوب في الورقة، وخد معاك البنات وأمي. هتلاقي هناك حاجة كنت بجهزها ليهم من قبل ما يتولدوا.
فضلت أبص للرسالة، وأنا بحاول أفهم مريم كانت تقصد إيه.
تاني يوم الصبح، أخدت البنات وحماتي، وروحنا للعنوان.
كان المكان مركزًا صغيرًا لرعاية الأطفال، وفيه حديقة واسعة وأوضة مليانة كتب وألعاب.
استقبلتنا مديرة المركز، ولما عرفت إننا أسرة مريم، ابتسمت وقالت
إحنا كنا مستنيينكم. مريم كانت بتيجي هنا قبل ولادتها، وكانت بتساعدنا في تجهيز مكتبة صغيرة للأطفال.
بصيت لها باستغراب.
مريم كانت بتعمل كل ده؟
هزت راسها وقالت
كانت بتحلم إن كل طفل يكون عنده فرصة يتعلم ويلعب ويحس بالأمان. وطلبت مننا نحتفظ بالمكتبة باسمها، ونستناكم لحد ما تكونوا مستعدين تشوفوها.
دخلنا الأوضة، ولقيت رفوف الكتب مترتبة، وعلى الحيطة لوحة مكتوب عليها
مكتبة مريم الصغيرة لكل طفل يستحق بداية جميلة.
حماتي حطت إيدها على بقها، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم.
أما أنا، ففضلت واقف مكاني، مش قادر أصدق إن مريم كانت بتخطط لكل ده وهي مشغولة بتجهيز نفسها لاستقبال بنتيها.
مديرة المركز ادتني دفترًا، وقالت
مريم كتبت رسالة للأطفال اللي هييجوا المكتبة، وكانت عايزة بنتيها يكونوا أول ناس يسمعوها.
فتحت الدفتر، وبدأت أقرأ بصوت مسموع
يا أصدقائي الصغيرين،
يمكن تكونوا لسه مش عارفين أحلامكم هتوصلكم لفين، لكن متستعجلوش الحياة.
اتعلموا، والعبوا، واسألوا عن كل حاجة مش فاهمينها.
وافتكروا إن الإنسان مش بيتقاس بكمية الحاجات اللي عنده، لكن بالخير اللي بيقدر يسيبه في حياة غيره.
ولو قابلتوا يومًا حد حزين، حاولوا تكونوا سببًا في ابتسامته.
يمكن كلمة طيبة منكم تغيّر يومه كله.
لما خلصت القراءة، بنتي الكبيرة بصتلي وسألتني
يا بابا، ماما كانت بتحب الأطفال كلهم؟
ابتسمت وقلت
أيوه يا حبيبتي، وكانت نفسها تساعدهم.
ردت بحماس
طب إحنا ممكن نيجي هنا كل أسبوع ونقرأ لهم قصص؟
بصيت لحماتي، ولقيتها بتبتسم وسط دموعها.
قلت للبنات
طبعًا. وهنخلي ده وعد بيننا وبين ماما.
ومن الأسبوع ده، بقينا نزور المكتبة بانتظام. البنات يختاروا القصص، وأنا أقرأ للأطفال، وحماتي تساعد في ترتيب الكتب وتجهيز الأنشطة.
ومع مرور الوقت، بقى المكان مليان ضحك وحكايات وصداقات جديدة.
وفي يوم، وأنا واقف قدام لوحة المكتبة، حسيت إن مريم أخيرًا بقت حاضرة في حياتنا بطريقة مختلفة؛ مش من خلال الحزن بس، لكن من خلال الخير اللي كانت بتتمنى تسيبه وراها.
رجعت البيت بالليل، وفتحت دفترها مرة أخيرة.
كان فيه سطر صغير في آخر صفحة، مكتوب بخطها
يا أحمد، متفتكرش إن آخر قرار أخدناه سوا هو اللي بيعرّف حكايتنا. حكايتنا الحقيقية هي كل الحب اللي عيشناه، وكل الخير اللي هيفضل موجود بعدنا.
قفلت الدفتر، وبصيت ناحية أوضة البنات.
كانوا نايمين في هدوء، وعلى الكومودينو صورتهم مع صورة أمهم.
وقتها فهمت إن مفيش رسالة تقدر ترجع مريم، ومفيش إجابة تقدر تمسح ۏجع الفقد تمامًا.
لكن كان عندي اختيار كل يوم إني أعيش أسيرًا للحظة اللي خسرتها فيها، أو أكون الأب اللي كانت بتتمنى بناتها يلاقوه جنبهم.
واخترت إني أكمل مش لأني نسيتها، لكن لأني هفضل أحبها وأنا ببني الحياة اللي حلمنا بيها سوا.
بعد مرور سنتين، كنت فاكر إن حكاية مريم وصلت لنهايتها، وإن كل الأسرار اللي سابتها وراها اتكشفت.
لكن في صباح يوم عيد ميلاد بنتَيَّ السابع، حصل موقف غيّر كل حاجة من جديد.
كنت بجهز التورتة، والبنات بيعلقوا الزينة في الصالة، لما جرس الباب رن.
فتحت، ولقيت راجل كبير في السن واقف قدامي، ماسك ملفًا بنيًّا قديمًا.
سألني
حضرتك أحمد، جوز مريم الله يرحمها؟
قلتله بقلق
أيوه، خير؟
مد إيده بالملف وقال
أنا كنت مسؤول عن حفظ بعض أوراق زوجتك، وهي طلبت مني أسلمك الملف ده في يوم محدد، لو فضلت محتفظ بالبيت القديم.
أخدت الملف، وسألته
إيه اللي جواه؟
رد
مش هقدر أشرح لك، لكن مريم كانت حريصة جدًا إن الأوراق دي توصل لك بنفسك.
شكرته، وقفلت الباب، ودخلت الصالة.
حماتي أول ما شافت الملف، اتغير لون وشها.
قلت لها
إنتِ تعرفي الراجل ده؟
هزت راسها وقالت
أيوه، ده كان عارف مريم من وقت ما بدأت تخطط لتجديد البيت.
فتحت الملف، ولقيت مستندات قديمة، وصورة لمريم وهي واقفة قدام البيت قبل ما نصلحه، وورقة مكتوب عليها
مشروع البيت الآمن للأطفال.
بدأت أقرأ التفاصيل، واكتشفت إن مريم كانت بتحلم بتحويل جزء من البيت لمكان صغير يستقبل الأطفال اللي أسرهم بتمر بظروف صعبة، بحيث يلاقوا فيه مكانًا آمنًا للمذاكرة واللعب.
كانت مجهزة أفكارًا للمشروع، وقائمة بالاحتياجات، وحتى رسالة كتبتها للشخص اللي هيساعدها في تنفيذه.
وفي آخر الورق، لقيت رسالة ليا
أحمد حبيبي،
أنا عارفة إنك بتحب تساعد الناس، حتى لو أحيانًا بتنسى نفسك وسط مسؤولياتك.
لو وصلت للمرحلة دي، وكنت قادر تبدأ المشروع، أتمنى تعمل ده.
لكن لو ظروفك مش سامحة، متضغطش على نفسك. مش عايزاك تحس إنك مطالب تحقق كل أحلامي مرة واحدة.
ابدأ باللي تقدر عليه،
وخلي نيتك خير.
قعدت ساكت، وأنا بفكر في كل اللي مرينا بيه.
كنت لسه عندي مسؤولية البنات، والشغل، ومصاريف البيت، ومكنتش عارف إذا كنت هقدر أبدأ مشروعًا جديدًا.
لكن لما بصيت للبنات وهما بيضحكوا، افتكرت قد إيه مريم كانت مؤمنة إن الحاجات الصغيرة ممكن تعمل فرقًا كبيرًا.
قررت أبدأ بخطوة بسيطة.
خصصت أوضة في البيت القديم للمذاكرة، وجهزتها بالمكاتب والكتب والألعاب، واتفقت مع بعض المتطوعين إنهم يساعدوا الأطفال في دروسهم.
مكنش المشروع كبيرًا، لكنه كان بداية حقيقية.
وفي يوم الافتتاح، وقفت بنتي الكبيرة قدام لوحة المشروع، وسألتني
يا بابا، هو إحنا بنعمل كل ده عشان ماما؟
نزلت لمستواها وقلت
إحنا بنعمله عشان نساعد الناس، يا حبيبتي. وماما هي اللي علمتنا إن الخير عمره ما بيضيع.
ابتسمت، ومسكت إيد أختها، ودخلوا الأوضة عشان يساعدوا الأطفال في ترتيب الكتب.
وقفت أراقبهم، وحسيت إن قلبي أخيرًا بدأ يتصالح مع الماضي.
لكن قبل ما الناس تمشي في نهاية اليوم، حماتي قربت مني وقالت
يا أحمد، فيه حاجة لازم تعرفها عن مريم، وكنت مترددة أحكيهالك.
بصيت لها باستغراب.
قالت
قبل ۏفاتها بأيام، بنتي طلبت مني وعدًا أخيرًا. وأنا نفذت كل طلباتها، ما عدا الطلب ده.
سألتها بقلق
إيه هو؟
نزلت عينيها وقالت
مريم طلبت مني أحكيلك حكاية من طفولتها، لأنها كانت متأكدة إنك هتفهم منها حاجة مهمة عن نفسك وعن بناتك.
وبعدين طلعت من شنطتها صورة قديمة لمريم وهي طفلة، وبدأت تحكيلي عن
اليوم اللي غيّر حياتها، واللي بسببه اتخذت قرارًا إنها عمرها ما تسيب أي طفل يحس إنه لوحده.
وفي اللحظة دي، أدركت إن فيه جزءًا من حكاية مريم لسه مستني إني أسمعه.6