قصه ام مراتي

لمحة نيوز

أمي. عارف إن مفيش كلام يقدر يعوضك عن مريم، بس أنا مش عايز نخسر بعض كمان.
حماتي اڼفجرت في العياط.
قامت من مكانها، وقربت مني، وقالت
أنا اللي آسفة يا ابني. أنا كنت محتاجة وقت عشان أقدر أبص في وشك من غير ما أفتكر بنتي، لكن عمري ما كنت عايزة أحرمك من أميّة البنات.
ولأول مرة من يوم العزا، 
، وفضلت تبوس راس كل واحدة وتقول
ربنا يخليكم لأبوكم يا حبايبي.
مرت الشهور، وبدأ البيت يرجع له صوته من جديد.
كنت بصحى على ضحك البنات، وأتعلم إزاي أعمل لهم الأكل، وإزاي أتعامل مع كل مرحلة جديدة في حياتهم.
وفي كل عيد ميلاد ليهم، كنت بطلع صورة مريم، وأحكيلهم حكاية جديدة عنها.
لما كبروا شوية، بقت بنتي الصغيرة تسألني
يا بابا، ماما كانت بتحبني؟
كنت بشيلها وأقول
مامتك حبتك قبل ما تشوف وشك، وكانت مستنية اليوم اللي تشيلك فيه بين إيديها.
أما أختها، فكانت كل مرة تسمع الحكاية تسألني
طب هي كانت عارفة إننا هنكون حلوين كده؟
وأضحك وأقول
كانت متأكدة إنكم هتكونوا أحلى حاجة في حياتي.
وفي يوم عيد ميلادهم الخامس، أخدتهم أنا وجدّتهم للجنينة اللي كنت بحلم بيها مع مريم.
مكنتش جنينة كبيرة، لكنها كانت مليانة ورد، وفي نصها شجرة صغيرة زرعتها يوم رجوعي من المستشفى.
البنات جريوا يلعبوا، وحماتي وقفت جنبي وقالت
مريم كانت هتكون فخورة بيك يا أحمد.
بصيت للشجرة، وابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة، افتكرت يوم الولادة من غير ما أحس إني بتعاقب.
فهمت إن فيه قرارات بتتاخد في لحظات مفيش فيها وقت كفاية، وإن الإنسان مش دايمًا بيقدر ينقذ كل اللي بيحبهم.
لكن يقدر يختار إيه اللي هيعمله بعد كده.
أنا مقدرتش أغيّر اليوم اللي فقدت فيه مريم، لكن قدرت أحافظ على الحب اللي سابته لينا، وأربي بنتَيَّ وهما عارفين إن أمهم كانت بداية حكايتنا، مش نهايتها.
وفي نفس اليوم، وأنا برتب حاجات مريم القديمة، لقيت جوابًا صغيرًا مستخبي جوه علبة خشب كانت بتحط فيها حاجاتها المهمة.
الغريب إن الجواب مكنش موجود في الصندوق اللي حماتي جابته، وكان مكتوب على الظرف بخط إيد مريم
لأحمد، في اليوم اللي يحس فيه إنه قدر يبدأ من جديد.
قعدت على السرير وفتحته، وبدأت أقرأ.
حبيبي أحمد،
لو وصلت للرسالة دي، فغالبًا تكون بدأت تضحك من قلبك تاني، وبناتنا بقوا يملوا البيت صوت وحركة.
أنا عارفة إنك هتفتكرني، وده شيء بتمناه، لكن عندي طلب أخير متخليش ذكرايا تمنعك تعيش.
أنا مش عايزاك تفضل طول عمرك واقف عند باب المستشفى،
مستني إجابة عن سؤال ملوش إجابة سهلة.
عايزاك تعيش مع بناتنا، وتفرح بنجاحهم، وتعلمهم يكونوا طيبين وقويين، وتفضل تحكيلهم عن الأيام اللي كنا بنحلم فيها بمستقبلهم.
ولو جه يوم وحسيت فيه إنك محتاج حد يقف جنبك، متعتبرش ده خېانة لذكرايا. إنت إنسان، ومن حقك تلاقي السند والراحة.
وقفت عند آخر جملة.
كنت فاكر إن مريم عايزاني أفضل عايش على ذكراها وبس، لكن الرسالة فهمتني إنها كانت بتتمنى أشوف المستقبل كمان.
تاني يوم، رحت المقاپر مع بنتَيَّ وحماتي.
وقفت قدام قبر مريم، وحطيت الورد، وقلت بصوت واطي
أنا لسه بفتقدك يا مريم، ولسه فيه أيام صعبة، لكن بوعدك إني هفضل أحاول. هربي بناتنا على الحب اللي علمتيهولي، ومش هخليهم أبدًا يحسوا إن وجودهم كان سبب غيابك.
حماتي كانت واقفة جنبي، ولما خلصت كلامي، مسكت إيدي وقالت
تعالى يا أحمد، البنات مستنيينك.
رجعت معاهم البيت، ولقيت البنتين بيجروا ناحيتي، وكل واحدة فيهم بتناديني
بابا! بابا!
شيلتهم بين إيديا، وبصيت لوشوشهم الصغيرة.
وقتها فهمت إن الحكاية اللي بدأت بأصعب قرار في حياتي، مش لازم تنتهي عند الندم.
لأن مريم سابتلي أمانة غالية، وأكبر وفاء ليها إني أحافظ على الأمانة دي، وأدي بناتنا الحياة اللي كانت بتحلم بيها ليهم.
وبعد مرور سنة كاملة، حصل موقف مكنتش أتخيل إنه هيغيّر حياتي بالطريقة دي.
كنت راجع من الشغل، ولقيت حماتي قاعدة في الصالة، وقدامها ألبوم صور قديم لمريم.
أول ما شافتني، قالت
يا أحمد، تعالى اقعد جنبي شوية. فيه حاجة لازم أقولها لك.
قلقت من نبرة صوتها، وقعدت جنبها.
طلعت صورة لمريم وهي صغيرة، وكانت واقفة في جنينة بيت أهلها، ووراها شجرة كبيرة.
سألتني
فاكر البيت القديم اللي كانت مريم بتحب تزوره؟
هزيت راسي.
قالت قبل ما تتجوزك، كانت بتحلم إنها تصلّح البيت ده، وتخليه مكان يجمع العيلة كلها. كانت بتقول إن نفسها
بناتها يكبروا وهما حواليهم ناس بتحبهم.
ابتسمت بحزن وقلت
كانت بتحكيلي عن البيت ده فعلًا، بس عمرها ما قالتلي إنه كان مهم عندها للدرجة دي.
حماتي سكتت لحظة، وبعدين طلعت مفتاحًا قديمًا من شنطتها.
البيت لسه موجود يا أحمد. وأنا قررت أفتحه تاني، بس مش هقدر أعمل ده لوحدي.
بصيت للمفتاح، وبعدها بصيت لها.
إنتِ عايزاني أساعدك نصلحه؟
ابتسمت وقالت
عايزانا نرجع نعيش فيه الذكريات الحلوة، ونخلق ذكريات جديدة للبنات.
في الأسبوع التالي، أخدت إجازة من الشغل، وروحت البيت معاها.
كان محتاج تصليحات كتير، والدهان قديم، والجنينة مليانة حشائش، لكن أول ما دخلت، حسيت إن المكان محتفظ بجزء من مريم.
في إحدى الغرف، لقينا رسومات قديمة كانت عاملاها وهي طفلة، وفي درج خشبي لقينا دفترًا صغيرًا مكتوبًا على غلافه
أحلامي للمستقبل.
فتحته، وبدأنا نقرأ أحلامها البسيطة؛ بيت هادي، عيلة متحابة، وأطفال يكبروا وهم مطمئنين.
حماتي مسحت دموعها وقالت
بنتي كانت بتحلم بحاجات بسيطة أوي، لكن الحياة ساعات بتاخد مننا أكتر مما نتخيل.
بصيت لها وقلت
يمكن مقدرناش نحقق كل أحلامها، لكن نقدر نحقق اللي لسه في إيدينا.
وبدأنا نصلح البيت خطوة بخطوة.
بعد شهور، بقت الجنينة مليانة ورد، والغرف رجعت تنور من جديد، والبنات بقوا يجروا في الممرات ويضحكوا بصوت عالي.
وفي يوم، وأنا واقف في الجنينة، بنتي الكبيرة قربت مني وسألتني
يا بابا، هو البيت ده كان بتاع ماما؟
نزلت لمستواها وقلت
أيوه يا حبيبتي، وماما كانت بتحبه جدًا.
سألتني ببراءة
طب هي كانت هتفرح لو شافتنا هنا؟
ابتسمت
كانت هتفرح أوي.
وفي اللحظة دي، سمعت حماتي بتنادينا من الشرفة، وكانت مجهزة لنا الغدا زي ما كانت بتعمل زمان.
بصيت للبيت، وللبنات، وللسماء، وحسيت إن الحزن لسه موجود، لكنه مبقاش الشيء الوحيد اللي بيفكرني بمريم.
أخيرًا فهمت إن فقدان شخص بنحبه مش معناه إن حياتنا لازم تقف عند اللحظة اللي فقدناه فيها؛ أحيانًا بنقدر نحافظ على ذكراه بأننا نكمل الأحلام اللي كان نفسه يشوفها حقيقة.
وفي ليلة هادية، بعد ما البنات ناموا، كنت قاعد في البيت القديم بقلب في دفتر مريم، وفجأة لقيت ورقة ملزوقة في آخر صفحة، كأنها كانت مخبياها عن أي حد يفتح الدفتر.
كان مكتوب عليها
يا أحمد، لو قدرت تحقق حلم البيت، فيه شخص لازم تدور عليه. الشخص ده يعرف حكاية من حياتي محدش يعرفها غيره، وأنا طلبت منه يحتفظ بيها لحد ما ييجي الوقت المناسب.
اتجمدت مكاني.
مين الشخص ده؟ وإيه الحكاية اللي مريم كانت مخبياها؟
تاني يوم، وريّت الورقة لحماتي، لكنها أول ما قرأتها، اتغيرت ملامحها.
سألتها بقلق
إنتِ تعرفي حاجة عن الكلام ده؟
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت
أيوه يا أحمد. فيه شخص كان قريب من مريم قبل جوازكم، وكنت فاكرة إنها حكتلك عنه.
حسيت بالقلق، وسألتها
مين؟
ردت
خالد، ابن خالها. هو اللي ساعدها زمان لما كانت بتحاول تحقق أول حلم ليها، وكان عارف قد إيه البيت ده مهم عندها.
اتصلت بخالد، وحددنا ميعاد نتقابل فيه.
لما جه، سلم عليَّ وقعدنا في الجنينة. طلّع من شنطته صندوقًا صغيرًا، وقال
مريم سابت عندي الصندوق ده من سنين، وطلبت مني أديهولك لو في يوم رجعتوا البيت ده.
فتحت الصندوق، ولقيت جواه رسومات قديمة للبيت، وصورًا لمريم وهي صغيرة، وورقة مكتوب فيها بخطها
أحمد، البيت ده كان حلمي من قبل ما أعرفك، لكن لما اتجوزتك، بقيت أتمنى إننا نحققه سوا. ولو مقدرناش، أتمنى إن بناتنا يعيشوا فيه يومًا.
بصيت لخالد وسألته
ليه مريم مقلتليش على كل ده؟
رد بهدوء
يمكن لأنها كانت عايزة تفاجئك لما البيت يجهز. كانت بتجمع الرسومات وتخطط للتجديد من زمان، وكانت متحمسة جدًا للفكرة.
حسيت بحزن كبير، لكن المرة دي كان حزنًا مختلفًا؛ حزن على حلم جميل مكنتش أعرف عنه كل التفاصيل.
بعد ما خالد مشي، دخلت البيت، ولقيت بنتَيَّ بيلعبوا وسط الرسومات.
قعدت معاهم، وبدأت أحكيلهم عن أمهم، وعن البيت اللي كانت بتحبه، وعن أحلامها اللي كانت بتتمنى تشوفها تتحقق.
وبينما كنت بحكي، قالت بنتي الصغيرة
يا بابا، إحنا ممكن نزرع ورد لماما هنا؟
ابتسمت، وقلت
طبعًا يا حبيبتي، ونختار سوا أجمل ورد في الدنيا.
وفي اليوم التالي، زرعنا الورد في الجنينة، وكتبنا اسم مريم على لوحة خشبية صغيرة جنب الشجرة.
ومن يومها، بقى البيت مكانًا بتجتمع فيه العيلة، وتتعالى فيه ضحكات البنات، وتفضل فيه حكايات مريم حاضرة في كل ركن.
لكن في يوم افتتاح الجنينة بعد التجديد، وصلني ظرف جديد من خالد، مكتوب عليه
يا
تم نسخ الرابط