اتجوزت رجل اكبر مني 40 سنه
مش مناسب ليا، هقدر أتكلم معاك من غير ما أخاف إنك تعاقبني أو تطلب مني أرجع كل حاجة أخدناها.
ريتشارد حط الأوراق على الترابيزة.
وقال
صوفيا، أنا ما اتجوزتكيش عشان أشتريكي. المساعدة اللي قدمتها لعيلتك كانت قراري، ومش هستخدمها ضدك. لو قررتي إنك مش عايزة تكملي، هنتعامل مع الموضوع باحترام، وهنرتب كل حاجة بشكل عادل.
بصيت له طويلًا.
كنت متوقعة إنه يزعل، أو يفتكر إني بجحد فضله.
لكن رده خلاني أحس إن لأول مرة، فيه مساحة أقدر أتنفس فيها.
قلت له
أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أحبك، لكني عايزة أدي نفسي فرصة أفهم مشاعري من غير ضغط.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ده كل اللي كنت محتاج أسمعه.
الفصل العاشر بداية مختلفة
بعد الكلام ده، علاقتنا بدأت تتغير ببطء.
ما بقيناش مجرد راجل ثري وبنت اتجوزته عشان الفلوس.
بدأنا نتكلم عن حاجات صغيرة، زي الكتب اللي بنحبها، والأماكن اللي نفسنا نزورها، والذكريات اللي شكلت حياتنا.
اكتشفت إن ريتشارد بيحب الموسيقى القديمة، وإنه بيقضي ساعات في الحديقة لأنه
كان بيزرع الورد مع زوجته الأولى.
وهو عرف إني بحب الرسم، وإنني كنت بحلم أدرس تصميم داخلي، لكني وقفت دراستي بسبب الظروف المادية.
في يوم، دخلت الصالة ولقيت على الترابيزة مجموعة أدوات رسم وألوان.
سألته باستغراب
إيه ده؟
قال
سألت مدبرة المنزل عن الحاجات اللي بتحبيها، وعرفت إنك كنتِ بترسمي. قلت يمكن تحبي ترجعي لهوايتك.
بصيت للأدوات، وحسيت بفرحة طفولية.
لكن بدل ما أشكره فورًا، سألته
إنت جبتهم عشان أنا قلت لك إني عايزة أرجع أرسم، ولا عشان عايزني أكون مبسوطة معاك؟
ضحك بهدوء.
الاتنين ممكن يكونوا صح. لكن لو مش عايزاهم، نرجعهم.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
لأ، أنا عايزاهم.
وبدأت أرسم من جديد.
في البداية، كنت برسم مناظر بسيطة، وبعدها بدأت أرسم غرف وبيوت، وأتخيل تصاميم مختلفة.
ريتشارد شجعني إني أدرس المجال اللي بحبه، لكن المرة دي، اتفقنا إن أي قرار يخص مستقبلي لازم يكون قراري أنا.
وبعد فترة، سجلت في برنامج دراسي مناسب، وبدأت أخصص وقتًا للتعلم.
أما هو، فبدأ يقلل ساعات شغله، ويحاول يعيش خارج المكتب.
كنا أحيانًا نتناول العشاء في الحديقة، ونتكلم عن يومنا.
ما كانش فيه حب رومانسي مفاجئ، ولا تحول سحري خلانا ننسى فرق السن أو ظروف الجواز.
كان فيه شيء أبسط وأهم احترام بيتبني بالتدريج، وصراحة بتخلينا نفهم بعض.
ومع ذلك، كنت لسه بسأل نفسي إذا كانت العلاقة دي هتقدر تستمر.
لأنني كنت عارفة إن الامتنان مش هو الحب، وإن الراحة مش بالضرورة معناها إنني لقيت شريك حياتي.
لكنني بطلت أستعجل الإجابة.
الفصل الحادي عشر الليلة الأخيرة من الخۏف
بعد مرور عدة أسابيع، جت ليلة افتكرتها هتفضل في ذاكرتي طول عمري.
كنت راجعة من زيارة لأمي، وتعبانة جدًا.
دخلت الأوضة، وجهزت نفسي للنوم حسب خطة الطبيب، واتأكدت إن باب الحديقة مؤمَّن.
ريتشارد كان قاعد على الكرسي، بيقرأ.
بص لي وقال
تصبحي على خير.
ابتسمت وقلت
وإنت من أهله.
نمت.
وفي الصبح، فتحت عيني ولقيت نفسي في سريري، والمخدة في مكانها، والباب مقفول، وكل حاجة طبيعية.
لأول مرة من أسابيع، ما صحيتش وأنا مړعوپة.
قعدت على السرير، وبصيت حواليَّ.
حسيت براحة غريبة، كأنني خرجت أخيرًا من نفق طويل.
نزلت تحت، ولقيت ريتشارد بيحضر القهوة.
قال لي
نمتي كويس؟
ابتسمت.
أيوه. لأول مرة من فترة طويلة.
ابتسم هو كمان، لكن ما بالغش في الاحتفال، ولا قال إن المشكلة انتهت للأبد.
كنا عارفين إن لازم نفضل حذرين ونتابع حالتي مع الطبيب.
لكن الليلة دي كانت بالنسبة لي علامة على إن الخۏف بدأ يفقد سيطرته على حياتي.
قعدت مع ريتشارد، وشربنا القهوة في هدوء.
وبعد شوية، قلت له
أنا عايزة أشكرك على حاجة.
رفع عينه.
على إيه؟
لأنك لما عرفت إني ممكن أختار أمشي، ما حاولتش تخوفني أو تمنعني. أنا كنت فاكرة إن الجواز ده هيفضل سجن بالنسبة لي، لكنك ادتني فرصة أقرر بنفسي.
بص لي طويلًا، وبعدها قال
يمكن لأنني قضيت سنين طويلة بعد ۏفاة زوجتي، وأنا فاكر إن الوحدة أأمن من أي علاقة. لكني اتعلمت إن الإنسان ما ينفعش يحتفظ بحد جنبه بالخۏف أو بالفلوس.
الجملة فضلت في بالي.
لأنها كانت الحقيقة اللي كنت محتاجة أسمعها من البداية.
الفصل الثاني عشر هل قدرت أحبّه؟
مرت شهور.
آدم نجح في دراسته، وأمي بدأت صحتها تتحسن، وأنا رجعت أدرس المجال اللي كنت بحبه.
أما موضوع النوم، فاستمر تحت متابعة الطبيب، ومع تعديل العلاج وتأمين البيت، توقفت النوبات اللي كانت بتخوفني.
ما عدتش باخد أي قرار بخصوص الدواء من نفسي، وبقيت أتعامل مع صحتي باعتبارها أولوية، مش حاجة لازم أتحملها في صمت.
لكن السؤال اللي كان شاغلني فضل موجودًا
هل أنا بحب ريتشارد؟
كنت بحترمه، وبثق فيه أكتر من الأول، وبحس بالأمان وأنا بتكلم معاه.
لكن هل ده حب؟
في عيد ميلاده، قررت أعمل له مفاجأة صغيرة.
ما جبتش هدية غالية، ولا اشتريت حاجة من المحلات الفخمة.
رسمت له لوحة للحديقة، فيها شجرة كبيرة ومقعد خشبي، وتحت الشجرة ورد أبيض.
كانت الحديقة دي أكتر مكان بيحبه في البيت، لأنه كان بيقعد فيه مع زوجته الأولى.
لما شاف اللوحة، فضل ساكت.
وبعدين قال بصوت متأثر
إنتِ رسمتيها بنفسك؟
ابتسمت.
أيوه.
قرب منها، وفضل يتأمل التفاصيل.
قال
دي أول هدية من سنين أحس إنها معمولة ليا أنا، مش عشان الفلوس أو المكانة.
حسيت بدفء في قلبي.
مش لأنني نجحت في إسعاده، لكن لأنني كنت بعمل حاجة بإرادتي، من غير خوف أو ضغط.
وفي اللحظة دي، فهمت إن مشاعري بدأت تتغير.
ما كنتش واقعة في الحب بالطريقة اللي كنت بتخيلها وأنا صغيرة.
ما كانش فيه خفقان قلب مفاجئ، ولا وعود أبدية، ولا إحساس إن الدنيا كلها اتغيرت في ثانية.
كان فيه اهتمام هادي، وثقة بتزيد، ومساحة أقدر أكون فيها نفسي.
لكنني ما حبيتش أطلق على الإحساس ده اسمًا قبل ما أكون متأكدة منه.
لأنني اتعلمت بالطريقة الصعبة إن الإنسان لازم يكون صادق مع نفسه قبل ما يكون صادق مع أي حد تاني.
في نفس الليلة، ريتشارد سألني
صوفيا، لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتوافقي تتجوزيني؟
السؤال فاجأني.
فضلت أفكر شوية، وبعدها قلت
لو كنت قابلتك في نفس الظروف، وأنا خاېفة على عيلتي ومش شايفة قدامي أي حل، يمكن كنت هكرر نفس القرار. لكن لو كنت حرة ومش مضطرة، ما أقدرش أقول لك إني كنت هختار الجواز من أول يوم.
هز راسه ببطء.
قلت له
لكن دلوقتي، بعد كل اللي حصل، أنا مش عايزة أعيش معاك بسبب الفلوس، ولا بسبب الخۏف. أنا عايزة أعرف إذا كان ممكن نبني علاقة حقيقية، وكل واحد فينا حر إنه يختارها.
ابتسم وقال
وأنا موافق. مش لازم نعرف كل الإجابات النهارده.
كانت دي المرة الأولى اللي أحس فيها إننا فعلًا بنبدأ من جديد.
مش كزوجين اتجوزوا وانتهى الموضوع، لكن كشخصين قرروا يتعرفوا على بعض من غير ما يفرضوا على نفسهم نهاية معينة.
النهاية الدرس اللي اتعلمته من كل اللي حصل
دلوقتي، لما بفتكر اللي حصل، بعرف إن أصعب لحظة في حياتي ما كانتش لما اكتشفت إني كنت بمشي وأنا نايمة.
ولا لما شفت التسجيل اللي خلاني أعتقد إن فيه سر مخيف في أوضة نومي.
أصعب لحظة كانت لما فهمت إني وصلت لمرحلة بقيت فيها خاېفة من النوم، وخاېفة من جوزي، وخاېفة حتى من نفسي، لأني ما كنتش عارفة إيه اللي بيحصل لي.
كنت فاكرة إن الفلوس هتحل كل مشاكلنا.
وفعلًا، الفلوس ساعدت عيلتي تخرج من أزمة كبيرة، لكنها ما قدرتش تشتري لي الطمأنينة، ولا الثقة، ولا القدرة على النوم من غير خوف.
الحاجات دي احتاجت وقتًا، ومساعدة طبية، وصراحة، وقرارات ما كانش سهل عليَّ أخدها.
واتعلمت كمان إن مش كل تصرف غريب معناه إن فيه شخص بيخطط لإيذائك، لكن ده ما يعنيش إننا نتجاهل إحساسنا بالخۏف أو نسكت عن الأسئلة اللي بتقلقنا.
من حقي أسأل، ومن حقي أعرف الحقيقة، ومن حقي أحس بالأمان.
وريتشارد اتعلم إن النية الطيبة مش كفاية لوحدها، وإن محاولة حماية شخص من الحقيقة ممكن تخليه يفقد ثقته فيك.
أما أنا، فاتعلمت إن إنقاذ عيلتي ما كانش معناه إنني لازم أتنازل عن نفسي للأبد.
أمي لسه بتقول لي كل ما أزورها
أهم حاجة يا بنتي إنك تكوني مرتاحة، وما تعيشيش حياة مش بتاعتك عشان ترضي حد.
وأنا بقيت أفهم معنى كلامها أكتر من
أي وقت فات.
يمكن علاقتي بريتشارد تكمل، ويمكن نكتشف في يوم إننا مش مناسبين لبعض.
لكن الفرق إنني دلوقتي عارفة إن القرار لازم يكون قرارنا إحنا الاتنين، من غير خوف أو إجبار أو إحساس بالذنب.
وفي ليلة هادية، وأنا قاعدة في الحديقة برسم، ريتشارد خرج وقعد على الكرسي اللي جنبي.
بص للوحة، وبعدها سألني
بتفكري في إيه؟
ابتسمت وقلت
بفكر في البنت اللي كنتها من كام شهر. البنت اللي كانت فاكرة إن مفيش قدامها غير إنها تختار بين مستقبل عيلتها وحياتها هي.
سألني
وكنتِ هتقولي لها إيه لو قدرتي ترجعي بالزمن؟
بصيت له، وبعدها بصيت للسما.
قلت
كنت هقول لها ما تخليش الخۏف يقنعك إنك مالكيش اختيار. ممكن تضطري تاخدي قرارات صعبة، لكن ده مش معناه إنك لازم تفضلي محپوسة فيها طول عمرك.
سكتنا شوية.
وبعدين رجعت للرسم.
ولأول مرة من وقت طويل، ما كنتش بفكر في اللي ممكن يحصل بالليل.
كنت بفكر في بكرة، وفي الدراسة اللي
عايزة أكملها، وفي اللوحات اللي نفسي أرسمها، وفي الحياة اللي لسه قدامي.
لأنني في النهاية اكتشفت إن أغلى حاجة ممكن الإنسان يخسرها مش الفلوس، ولا البيت، ولا حتى العلاقة اللي كان فاكر إنها هتستمر للأبد أغلى حاجة هي إنه يفقد حقه في الاختيار، ويقتنع إنه ما يستحقش يعيش حياة يكون فيها آمنًا ومطمئنًا.
ودي كانت الحقيقة اللي احتجت 22 سنة من عمري عشان أفهمها.
تمت.