حماتي و فاتورة الكهرباء
المحتويات
اكتشفت إن جوزي مستعد يسيبني أتهان قدام عيلته كلها، لمجرد إنه مش عايز يزعل أمه.
حماتي، لما لقتني ساكتة، افتكرت إني اتكسفت، وإنها قدرت تكسرني قدام الناس.
فرفعت صوتها أكتر، وقالت
وبعدين إنتِ جايبة إيه في إيدك ده؟
بصيت للعلبة اللي كنت لسه ماسكاها.
قلت بهدوء
دي هدية لحضرتك يا ماما. إنتِ كنتِ بتشتكي إن صحتك تعبانة، فقلت أجيب لك حاجة تهتمي بيها.
مدت إيدها وخدت العلبة مني، وبصت للتغليف الفاخر.
لثواني، افتكرت إنها ممكن تهدى، أو على الأقل تحس بالحرج من اللي عملته.
لكنها قلبت العلبة بين إيديها، وبعدين قالت بحدة
هدية إيه دلوقتي؟! هو أنا قلت لك هاتي لي حاجة؟! أنا عايزة واحدة تعرف توفر، مش واحدة تصرف فلوسها على حاجات ملهاش لازمة!
منى مدت رقبتها علشان تشوف العلبة، وسألت
هي بكام دي؟
حماتي ردت من غير ما تعرف السعر
ما أعرفش، بس أكيد دافعة فيها مبلغ وقدره! ما هي بتحب المنظرة!
قلت لها بهدوء
العلبة دي ب ألف جنيه، وأنا جبتها لحضرتك علشان كنتِ بتشتكي من التعب.
أول ما منى سمعت الرقم، فتحت عينيها على آخرهما.
خمستاشر ألف جنيه؟! على علبة واحدة؟! يا نهار أبيض! إنتِ فعلًا مش بتحسي بالفلوس!
وبعدين بصت لأمها وقالت
شايفة يا ماما؟! هي دي المشكلة! واحدة تدفع خمستاشر ألف جنيه في حاجة، وبعدين تيجي تقول لنا أصل فاتورة الكهرباء زادت 300 جنيه!
حماتي هزت راسها بعصبية، وكأن منى أخيرًا قالت الكلام اللي هي مستنياه.
أهو ده اللي أنا بتكلم عنه! تبذير في تبذير!
ما رديتش.
كنت بدأت أفهم إن أي حاجة أعملها، مهما كانت بنيتي، هتتحول في نظرهم لدليل ضدي.
لو جبت هدية، أبقى مبذرة.
ولو ما جبتش، أبقى بخيلة ومش بحب حماتي.
لو دفعت مصاريف البيت، يقولوا ده واجبي.
ولو طلبت منهم يراعوا المصاريف، يقولوا إني بتمنن عليهم.
ولو سكت، يفتكروا إنهم يقدروا يهينوني.
ولو اتكلمت، أبقى قليلة الأدب ومش متربية.
يعني باختصار، أنا مهما عملت، مش هقدر أرضيهم.
لأن المشكلة ما كانتش في تصرفاتي.
المشكلة إنهم اتعودوا ياخدوا مني كل حاجة، من غير ما يفكروا إن ليّا حدود.
رفعت عيني ناحية حماتي، ولقيتها لسه واقفة قدامي، ووشها مليان تحدي.
قالت
اسمعي يا نهى، طالما إنتِ عايشة في البيت ده، يبقى لازم تتعلمي تسمعي الكلام. مش كل واحدة مرتبها كبير تفتكر إنها أحسن من الناس!
وبعدين أشارت ناحية الباب
ولو مش عاجبك كلامي، تقدري تمشي دلوقتي! محدش ماسكك من إيدك!
نزلت عيني للأرض، وانحنيت، وأخدت فاتورة الكهرباء من جنب رجلي...
مسكتها بين صوابعي، وفردتها بهدوء، وبصيت للأرقام المكتوبة فيها ٣٠٠ جنيه.
فضلت باصة للفاتورة كام ثانية، وبعدين رفعت عيني وبصيت لحماتي، اللي كانت واقفة قدامي رافعة دقنها، ومستنية إني أعتذر وأترجاها ترضى عني.
بصيت لحمايا، اللي كان بيشرب الشاي بمنتهى البرود.
وبعدين بصيت لمنى، اللي كانت لسه بتاكل الكريز وبتكتم ضحكتها.
وأخيرًا، بصيت لكريم، جوزي، اللي كان قاعد على السفرة، عامل نفسه مشغول في طبقه، وكأن مراته ما اتضربتش قدامه من شوية.
وفجأة...
ضحكت!
اڼفجرت في الضحك بشكل هستيري!
حماتى قالتلى إنتِ بتضحكي على إيه يا ست نهى؟! هو إنتِ اټجننتي؟!
لكنني ما قدرتش أرد عليها من كتر الضحك.
حمايا نزل كوباية الشاي من إيده، وبص ليّ بتركيز لأول مرة من بداية الخناقة.
أما كريم، فرفع راسه بسرعة، وبص ليّ كأنه بيشوفني لأول مرة في حياته.
وبعدين حطيت فاتورة الكهرباء على الجزامة، ورفعت شنطتي من على الأرض.
قلت بوضوح
حاضر يا ماما. أنا ماشية.
سكتُّ لحظة، وبصيت لكل واحد فيهم على حدة.
وبعدين أضفت، بنبرة هادية خلتهم كلهم يبطلوا حركة
بس مترجعوش تندموا على اللي عملتوه النهارده.
لأنهم كانوا لسه فاكرين إنهم طردوا مرات ابنهم من البيت... ومحدش فيهم كان مستوعب إنهم هما اللي اختاروا يخسروا كل حاجة كانت بتعملها علشانهم.
وفي اللحظة اللي باب المصعد اتقفل فيها، طلعت الموبايل من شنطتي، وفتحت قائمة الحسابات البنكية والتحويلات القديمة.
وقلت لنفسي
طيب يا عيلة كريم... بما إنكم مش محتاجين فلوسي، خلينا نشوف هتعملوا إيه من غيرها!
وبدأت أحسب.
أربع سنين كاملة... وكل جنيه خرج من حسابي ليهم، لازم أعرف راح فين..............
الجزء التاني لما نهى سحبت إيدها من البيت البيت كله وقع!
أول ما باب الأسانسير اتقفل، سندت ضهري على الحيطة، ومسحت دموعي اللي نزلت ڠصب عني، رغم إني كنت مقررة ماعيطش قدامهم مهما حصل.
بس الغريب إني ماكنتش حاسة بۏجع القلم قد ما كنت حاسة بۏجع السنين اللي ضاعت وأنا بحاول أثبت إني أستحق الاحترام وسط ناس عمرهم ما شافوني غير مصدر فلوس.
طلعت الموبايل، وفتحت حساباتي البنكية، وبدأت أراجع التحويلات اللي كنت ببعتها كل شهر لبيت كريم.
من أربع سنين، وأنا بدفع جزء كبير من مصاريف البيت، مع إن مرتبي السنوي كان حوالي خمسمية ألف جنيه، وكنت بشتغل في شركة كبيرة، وباخد شغل إضافي من البيت علشان أقدر أوفر لنفسي ولجوزي حياة كويسة.
في البداية، كنت بساعد بمزاجي.
لما كريم قال لي إن والده عماد معاشه مش مكفي مصاريف البيت، وإن أمه الحاجة سعاد بتحتاج أدوية ومكملات غذائية، وافقت من غير تردد.
ولما منى أخته اتخطبت، ساعدتها في تجهيزات كتير، واشتريت لها حاجات كانت نفسها فيها، وكنت بعتبرها أختي فعلًا.
لكن المساعدة اللي بدأت بحب، اتحولت مع الوقت لواجب مفروض عليّا.
بقيت أنا اللي أدفع فاتورة الكهرباء والغاز والإنترنت، وأشارك في مصاريف الأكل، وأجيب احتياجات البيت، وأحيانًا أتحمل مصاريف طارئة محدش فيهم كان بيحاول حتى يخطط لها.
ولما كنت أشتري حاجة لنفسي، كنت بسمع تعليقات من نوعية
هو إنتِ محتاجة كل اللبس ده ليه؟ ما كان أولى الفلوس دي تتحط في البيت!
ولو طلبت من كريم يشارك في مصاريف حاجة، كان يرد بكل بساطة
ما إنتِ عارفة الظروف يا نهى، وإحنا في الآخر أهل.
أهل؟
الكلمة دي كانت بتتقال لما يكونوا محتاجين مني حاجة، لكن
وقت ما احتجت حد فيهم يقف جنبي، حتى كريم نفسه اختار السكوت.
بصيت في سجل التحويلات، وبدأت أجمع المبالغ اللي دفعتها خلال آخر أربع سنين.
كل شهر مبلغ، وكل مناسبة هدية، وكل أزمة مساعدة، وكل طلب كنت بوافق عليه علشان ماحدش يزعل.
الأرقام كانت أكبر بكتير مما توقعت.
لكن بدل ما أحس بالندم على الفلوس، حسيت بالندم على نفسي.
أنا ماكنتش ندمانة إني ساعدت، أنا كنت ندمانة إني ساعدت ناس افتكروا إن طيبة قلبي معناها إني من غير كرامة.
وصلت لشقتي، وفتحت الباب، وأول ما دخلت، حطيت شنطتي على الكنبة، ووقفت أبص حواليّا.
الشقة دي أنا اللي جهزتها من فلوسي قبل الجواز، ودفعت في أثاثها وتشطيبها مبلغ كبير، واتفقنا وقتها إن دي شقتنا اللي هنبدأ فيها حياتنا.
لكن بعد الجواز، كريم بدأ يطلب مني نقضي أغلب الوقت في بيت أهله، بحجة إن والده تعبان وأمه محتاجة حد جنبها.
وبالتدريج، بقيت أروح شقتي يومين وأقعد عندهم أسبوع، لحد ما وجودي هناك بقى كأنه إقامة دائمة.
حتى الشقة اللي المفروض تكون بيتي، بقيت بحس إني ضيفة فيها.
مسكت الموبايل، واتصلت بمحامي كنت اتعاملت معاه قبل كده في شغل خاص بالشركة.
أول ما رد، قلت له
مساء الخير يا أستاذ شريف. معلش، محتاجة أقابلك في أقرب وقت. الموضوع بخصوص حقوق مالية وحاجات تخص ممتلكاتي.
سألني إذا كان في مشكلة عاجلة، فحكيت له باختصار اللي حصل، من غير ما أدخل في تفاصيل شخصية كتير.
قال لي بهدوء
تعالي بكرة الصبح، وهاتي معاكي أي مستندات تخص الشقة والتحويلات والمصاريف اللي دفعتيها. وأهم حاجة، ماتاخديش أي قرار متسرع قبل ما نراجع موقفك القانوني.
قفلت معاه، وبعدها فتحت تطبيق الكهرباء.
فاتورة الشهر ده كانت فعلًا زادت حوالي 300 جنيه بسبب الحر وتشغيل التكييف ساعات طويلة.
تلاتمية جنيه!
المبلغ اللي اتضربت عشانه قدام العيلة كلها، كان أقل من تمن هدية واحدة كنت جايباها للحاجة سعاد قبل شهور.
افتكرت يوم ما اشتريت لها علبة مكملات غذائية مستوردة بحوالي خمسة عشر ألف جنيه، بعدما قالت لي إن النوع اللي بتاخده مش مناسب وإنها محتاجة حاجة أفضل.
وقتها فرحت، وحضنتني، وقالت لي
ربنا يبارك لك يا بنتي، إنتِ نعمة كبيرة في حياتنا.
والنهارده، نفس الإيد اللي كانت بتربت على ضهري، نزلت على وشي قدام ابنها وأبوه وبنتها.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة، وقلت لنفسي
واضح إن النعمة لما بتبطل تدفع، بتتحول في نظرهم لمصېبة.
فتحت قائمة التحويلات، وألغيت التحويل الشهري التلقائي اللي كنت عاملاه لمصاريف البيت، ووقفت أي دفعات مستقبلية مش ملتزمة بيها تعاقديًا.
ما لمستش أي أموال تخص حد تاني، وما حاولتش آخد منهم جنيه واحد، لكن قررت ببساطة إني مش هصرف على بيت مش بيحترمني.
بعدها اتصلت بكريم.
رد بعد رنات كتير، وصوته كان متوترًا.
أيوه يا نهى، إنتِ فين؟
قلت بهدوء
في شقتي.
قال بضيق
يعني إيه في شقتك؟ إنتِ مشيتي فعلًا؟ هو الموضوع يستاهل كل ده؟
سكت
متابعة القراءة