حماتي و فاتورة الكهرباء

لمحة نيوز

لحظة، مستنية أسمع منه كلمة واحدة عن القلم اللي اتضربت بيه.
لكنه كمل
ماما زعلانة جدًا، وإنتِ عارفة إنها عصبية. ارجعي بكرة واعتذري لها، ونقفل الموضوع.
حسيت إن في حاجة جوايا اتكسرت للمرة الأخيرة.
قلت له
أنا أعتذر لها؟ على إيه يا كريم؟ على إني اعترضت لما اتضربت؟ ولا على إني قلت إن فاتورة الكهرباء زادت بسبب الحر؟
رد بسرعة
ما تكبريش الموضوع! هي أمّي، وإنتِ المفروض تحتويها.
قلت له
وأنا مراتك، والمفروض تحتوي كرامتي.
سكت.
كملت
أنا مش هرجع بيتكم بكرة، ولا بعده، ومش هقبل إنك تطلب مني أتصالح مع حد ضړبني وإنت واقف تتفرج.
قال بعصبية
إنتِ كده بتحطيني في اختيار بينك وبين أمي!
رديت عليه
لأ يا كريم، أنا ماحطتكش في أي اختيار. إنت اخترت بنفسك يوم ما سكتّ. أنا بس بطلت أختار على حساب نفسي.
وقبل ما يقفل، سمعته بيقول
طيب، براحتك. بس لما تحتاجي ترجعي، ماتفتكريش إن الدنيا هتفضل مفتوحة لك.
قلت له
متقلقش. أنا مش مستنية حد يفتح لي باب بيته، أنا عايزة بس أعرف أقفل الباب اللي دخلت منه الإهانة.
وقفلت.
تاني يوم الصبح، رحت لمكتب المحامي ومعايا ملف كامل فيه عقد شقتي، وفواتير التشطيب، وإيصالات الأثاث، وكشوف التحويلات البنكية اللي كنت محتفظة بيها من غير ما أفكر يوم إنها هتبقى دليل على اللي حصل.
راجع الأستاذ شريف الورق، وسألني عن تفاصيل ملكية الشقة، وطبيعة التحويلات اللي كنت ببعتها لبيت أهل كريم.
وبعد ما خلص، قال لي
لازم نفرق بين الفلوس اللي دفعتيها كهدية أو مساعدة بإرادتك، وبين أي مبالغ ليها اتفاق واضح أو مستندات تثبت إنها حق ليكي. مش كل مساعدة تقدري تسترديها، لكن نقدر نراجع حقوقك الفعلية ونحمي ممتلكاتك.
هزيت راسي وقلت
أنا مش عايزة أظلم حد، ولا عايزة أرجع هدية قدمتها وأنا راضية. أنا عايزة بس حقي، ومش عايزة حد يستغلني تاني.
قال
وده حقك. وبالنسبة للشقة، هنراجع المستندات ونحدد الخطوات القانونية المناسبة. كمان لازم تحتفظي بكل الرسائل والتحويلات، وماتدخليش في أي مواجهة مالية من غير ما تكوني فاهمة موقفك.
خرجت من عنده وأنا لأول مرة من سنين حاسة إن في خطة واضحة قدامي.
مش خطة اڼتقام، لكن خطة أرجع بيها حياتي لإيدي.
وفي نفس الوقت، كان بيت كريم بيستعد لاكتشاف حاجة عمرهم ما تخيلوها.
لأن أول فاتورة اتأخرت، مش هتكون فاتورة الكهرباء.
كانت مجرد بداية.
الجزء التالت والأخير يوم ما كريم عرف قيمة نهى كان فات الأوان!
عدّى يومين، وأنا ملتزمة بقراري.
ما اتصلتش بكريم، وما سألتش عليه، وما حاولتش أعرف إذا كان زعلان أو ندمان. كنت مركزة في شغلي، وفي نفسي، وفي ترتيب حياتي من جديد.
أما في بيت الحاجة سعاد، فكان الوضع مختلف تمامًا.
في أول يوم، صحيت الحاجة سعاد على صوت منى وهي بتقول لها من المطبخ
ماما، هو إيه حكاية الإنترنت؟ مش شغال من امبارح!
ردت أمها من أوضتها
كلمي نهى، هي اللي بتدفع الفاتورة كل شهر.
منى فتحت الموبايل، وبعتت لي رسالة
نهى، الإنترنت قاطع، شوفي الموضوع ده بسرعة علشان محتاجاه.
شفت الرسالة، لكن ما رديتش.
بعد شوية، بعتت تاني
إنتِ مش شايفة الرسايل؟
وبرضه ما رديتش.
بعدها اتصلت بكريم، اللي كان لسه نايم.
كريم، إنت صاحي؟ الإنترنت قاطع وماما بتقول إن نهى هي اللي بتدفعه.
رد بنعاس
ما أنا هكلمها.
لكن لما فتح تليفونه وشاف المكالمات اللي ما رديتش عليها، اتنرفز وقال
هي قررت تعاقبنا يعني؟
دخلت عليه أمه وهي بتعدل طرحتها، وقالت
عقاپ إيه يا ابني؟ دي فاكرة نفسها لما تمشي هتخلينا نجري وراها! سيبها يومين وهترجع لوحدها.
كريم هز راسه، لكنه ما كانش مطمن زي أمه.
لأنه كان عارف إن نهى عمرها ما كانت بتختفي بالشكل ده.
في اليوم التاني، وصلهم إشعار من شركة الغاز بوجود مبلغ مستحق، وبعده افتكر عماد إن فاتورة الكهرباء لسه ما اتدفعتش.
نادى على ابنه وقال
يا كريم، هو إنت دفعت فاتورة الكهربا؟
كريم بص له باستغراب.
لأ، مش إنت اللي بتقول نهى كانت بتدفعها؟
عماد رد
أيوه، بس هي كانت بتخلص الحاجات دي من غير ما نحس. أنا أصلًا ما كنتش مركز مين بيدفع إيه.
الحاجة سعاد، اللي كانت قاعدة بتقشر تفاحة، رفعت راسها وقالت
يا سلام! يعني البيت كله واقف على نهى؟ ما هو كريم شغال، وإنت بتاخد معاش، وأنا عندي مصروفي. إحنا مش ھنموت من غيرها!
لكن لما قعدوا يحسبوا مصاريف البيت، اكتشفوا إن الموضوع
أكبر من فاتورة كهرباء.
الأكل، والمنظفات، والغاز، والإنترنت، وبعض الأدوية، ومصاريف حاجات كتير كانت نهى بتجيبها من غير ما حد يسألها عن تمنها.
والأصعب إن كريم كان متعود يصرف جزء كبير من مرتبه على أقساط موبايله وعربيته وخروجاته، لأنه كان عارف إن نهى بتساعد في مصاريف البيت.
منى كمان كانت متعودة تطلب منها حاجات كتير، من غير ما تفكر إنها بتكلفها فلوس.
ومع ذلك، الحاجة سعاد أصرت على موقفها.
والله ما هكلمها. هي اللي غلطانة، وهي اللي ترجع تعتذر.
في اليوم التالت، كنت في مكتبي لما جالي اتصال من رقم كريم.
المرة دي رديت.
قال بصوت حاول يخليه هادي
إنتِ فين يا نهى؟
قلت
في الشغل.
يعني مش ناوية ترجعي البيت؟
بيتي موجود، يا كريم. لو تقصد بيت أهلك، لأ، مش راجعة.
اتنهد بعصبية.
طيب، خلينا نتكلم بعقل. أنا عارف إن ماما غلطت لما ضربتك، بس إنتِ كمان كبرتي الموضوع. يعني قلم وخلاص، مش نهاية الدنيا.
حسيت إن آخر ذرة أمل كانت عندي فيه اختفت.
قلت له
قلم وخلاص؟
رد
ما أنا مش بقول إن اللي حصل صح، بس إنتِ عارفة ماما.
قلت
أيوه، عارفاها. وعارفة كمان إنك كنت واقف قدامي، وشفتها وهي بتضربني، وما اتحركتش. وبعدها طلبت مني أعتذر لها.
قال
كنت عايز أهدّي الدنيا.
قلت
إنت ما هديتش الدنيا يا كريم. إنت هديت ضميرك على حساب كرامتي.
سكت لحظة، وبعدها قال
طيب، إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟
السؤال ده كان المفروض يسأله يوم القلم، مش بعد ما البيت بدأ يتأثر بغيابي.
قلت له
عايزة أعيش من غير إهانة، وعايزة أعرف إن جوزي مش هيسمح لأي حد يمد إيده عليّا، حتى لو أمه. وعايزة أعرف إن مساعدتي ليكم مش معناها إنكم بقيتم أصحاب حق في مرتبي.
رد بسرعة
هو إحنا عمرنا طلبنا منك فلوس بالعافية؟
قلت
لأ، ما طلبتوش بالعافية. أنا اللي كنت بساعد. بس المشكلة إنكم لما اتعودتوا على المساعدة، بقيتوا شايفينها واجب، ولما اتأخرت فاتورة ب جنيه، اتضربت قدامكم كأني سړقت البيت.
قال بحدة
يعني إنتِ وقفتي كل حاجة؟
قلت
أيوه. من النهارده، كل واحد مسؤول عن مصاريفه. أنا مش هبعت فلوس لبيت أهلك، ومش هدفع فواتير مش تخصني، ومش هشتري طلبات لحد. وأي التزام مالي يخصني أو يخصنا إحنا الاتنين، هنتكلم فيه بشكل واضح.
صوته اتغير.
إنتِ بتعاقبيني أنا كمان!
قلت
أنا مش بعاقبك. أنا بوقف استغلال حصل بالتدريج، لحد ما بقيتوا مش شايفين اللي بقدمه أصلًا.
وبعدها قلت له جملة كنت محتاجة أقولها من زمان
يا كريم، أنا مش بنك، ومش جمعية خيرية، ومش موظفة عند أمك. أنا مراتك، وكان المفروض أكون شريكتك، مش الشخص اللي يشيل عنكم كل حاجة وبعد كده يستحمل الإهانة.
وقبل ما يرد، قلت
لما تكون مستعد تتكلم عن اللي حصل بجد، مش عن إزاي ترجعني أدفع مصاريف البيت، ابقى كلمني.
وقفلت.
عدّى أسبوع.
وفي الأسبوع ده، بدأت الحقيقة تظهر في تفاصيل صغيرة.
كريم اضطر يدفع فاتورة الكهرباء من مرتبه، فاكتشف إن المبلغ اللي كان بيعتبره تافه لما نهى تدفعه، بقى جزءًا من ميزانيته.
عماد اضطر يراجع مصاريفه، وبدأ يسأل عن أسعار الأدوية بدل ما يطلب من كريم يجيبها وخلاص.
أما الحاجة سعاد، فكانت أكتر واحدة متضايقة، مش بس بسبب المصاريف، لكن لأن نهى ما رجعتش، وما اعتذرتش، وما طلبتش رضاها.
كانت بتقول لكل اللي يكلمها
الست اللي تسيب بيت جوزها علشان شوية كلام، عمرها ما كانت أصيلة.
لكن في مرة، واحدة من قريباتها سألتها بهدوء
طب يا سعاد، هي نهى عملت إيه لكل ده؟
ردت
فاتورة الكهربا زادت 300 جنيه، واتكلمت معايا بطريقة مش عاجباني.
الست استغربت وقالت
يعني ضربتيها علشان 300 جنيه؟
الحاجة سعاد اتلخبطت.
أنا ما ضربتهاش ضړب يعني! دي كانت قلم علشان تتأدب.
القريبة بصت لها پصدمة وقالت
تتأدب؟ دي ست كبيرة ومتجوزة ابنك! إنتِ لو واحدة ضړبت بنتك قدام أهل جوزها، كنتِ هتعملي إيه؟
ما لقتش الحاجة سعاد رد.
ولأول مرة، اضطرت تواجه السؤال اللي كانت بتهرب منه.
لو منى هي اللي اتضربت، كانت هتعتبر الموضوع إهانة ما تتغفرش.
لكن لما كانت نهى، اعتبرت الموضوع تأديبًا عاديًا.
بعد عشرة أيام، كريم جه لشقتي من غير ما يكلمني قبلها.
فتحت الباب، ولما شفته، ما حسيتش بالفرحة اللي كنت زمان بحسها بمجرد ما أسمع مفتاحه في الباب.
كان واقف قدامي متوتر، وفي إيده كيس حلويات كنت بحبه.
قال
ممكن أدخل؟
بعد لحظة تردد، سمحت له يدخل.
قعد على الكنبة، وحط الكيس على الترابيزة.
بص حواليه وقال
الشقة حلوة. بقالنا كتير ما قعدناش هنا.
قلت
لأنك كنت
تم نسخ الرابط