حماتي و فاتورة الكهرباء
بتفضل نقعد عند أهلك.
هز راسه.
عارف.
سكت شوية، وبعدها قال
أنا اتكلمت مع ماما.
استنيت يكمل.
قال
هي لسه شايفة إنك غلطانة، بس أنا قلت لها إن اللي حصل ما كانش ينفع.
سألته
وإنت شايف إيه؟
بص في الأرض.
شايف إن كان لازم أوقفها.
قلت
كان لازم توقفها وقتها.
قال بسرعة
عارف يا نهى. وأنا آسف.
الكلمة كانت مهمة، لكني ما كنتش مستعدة أعتبرها نهاية المشكلة.
قلت
إنت آسف علشان ضړبتني، ولا علشان المصاريف بقت عليكم؟
رفع عينيه ليا، واتضايق من السؤال.
إنتِ لسه فاكرة إني جاي علشان الفلوس؟
قلت بهدوء
أنا مش عارفة إنت جاي علشان إيه، لأنك ما حاولتش تفهمني غير لما حسيت إن في حاجة اتغيرت في حياتك.
سكت طويلًا، وبعدها قال
يمكن عندك حق.
كانت أول مرة أسمعه يعترف بحاجة بالشكل ده.
كمل
أنا اتعودت إنك بتتصرفي في كل حاجة، وكنت فاكر إن ده طبيعي، وإنك بتعملي كده لأنك بتحبي تساعدي. ما فكرتش إنك ممكن تكوني شايلة فوق طاقتك.
قلت
المساعدة مش المشكلة. المشكلة إنك ما شفتنيش وأنا بساعد. شفت الفلوس بس.
نزل عينه تاني.
وبعدها قال
أنا عايزك ترجعي، بس مش هطلب منك ترجعي بيت ماما دلوقتي. خلينا نعيش هنا، وأنا هحاول أصلح اللي حصل.
كان الكلام أحسن من كل اللي سمعته منه قبل كده، لكني كنت محتاجة أشوف أفعال.
قلت له
أنا موافقة نتكلم ونشوف إذا كان في فرصة نصلح جوازنا، لكن مش هقدر أرجع أثق فيك في يوم وليلة. ومش هرجع أعيش في بيت أهلك، ومش هقبل إن أي حد يمد إيده عليّا أو يقلل مني.
قال
موافق.
وبعدها أضاف
بس ماما عايزة تشوفك.
قلت
لما تكون مستعدة تعتذر عن اللي عملته، مش لما تكون عايزة ترجعني زي الأول.
خرج كريم من شقتي بعد ساعة، من غير ما يوعدني بوعود كبيرة، ومن غير ما أقول له إن كل حاجة بقت كويسة.
لأن الاعتذار بداية، مش نهاية.
بعد أسبوعين، حصلت حاجة قلبت الموازين كلها.
كريم اتصل بيا وقال إن والده عنده مشكلة في مبلغ كان متوقع يدخل له من معاملة مالية، وإن الأسرة محتاجة تراجع مصاريفها مؤقتًا.
ما طلبش مني فلوس بشكل مباشر، لكنه بدأ يحكي عن الأقساط والالتزامات.
سمعته للآخر، وبعدها قلت
أنا أتمنى إن الأمور تتحل، لكن مش هقدر أتحمل مصاريف بيت أهلك.
رد
أنا فاهم.
ولأول مرة، ما حاولش يضغط عليّا.
بعدها بيومين، جالي اتصال من الحاجة سعاد نفسها.
رديت بعد تردد.
قالت بصوت متحفظ
إزيك يا نهى؟
قلت
الحمد لله.
سكتت لحظة، وبعدها قالت
كريم بيقول إنك مش ناوية ترجعي عندنا.
قلت
أنا مش هقدر أرجع لنفس الوضع اللي حصل فيه اللي حصل.
قالت
يعني إنتِ لسه زعلانة من القلم؟
غمضت عيني للحظة، وحاولت أحافظ على هدوئي.
يا ماما، أنا زعلانة من القلم، ومن إنكم اعتبرتوا إن من حقكم ټضربوني، ومن إن كريم سابني لوحدي، ومن إنكم لحد دلوقتي بتتكلموا عن المصاريف أكتر ما بتتكلموا عن كرامتي.
قالت بضيق
يعني عايزاني أجي أترجاكي؟
رديت
لأ. أنا مش عايزة حد يترجاني. أنا
عايزة اعتذار حقيقي، وعايزة أعرف إن اللي حصل مش هيتكرر.
قالت
أنا أكبر منك، ومش متعودة أعتذر لحد.
قلت بهدوء
وأنا مش متعودة حد يضربني، يا ماما.
وسكتنا إحنا الاتنين.
بعد لحظات، قالت
طيب، أنا هاجي لك.
ما قلتلهاش لأ، لكني ما فرحتش برضه.
كنت مستنية أشوف إذا كانت جاية تصلح اللي اتكسر، ولا جاية ترجع السيطرة على حياتي زي الأول.
لما الحاجة سعاد وصلت الشقة، كانت منى معاها.
دخلوا وقعدوا، وأنا قدمت لهم الشاي كأي ضيوف، من غير مبالغة في الترحيب، ومن غير عداء.
منى كانت باصة في الأرض، والحاجة سعاد فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت
أنا عارفة إنك شايلة مني.
قلت
أنا مش عايزة أشيل من حد حاجة، بس مش هقدر أتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
بصت لي، وقالت
أنا غلطت لما ضربتك.
الجملة خرجت منها بصعوبة، لكنها خرجت.
كملت
كنت متعصبة، وما كانش ينفع أمد إيدي عليكي.
ما قاطعتهاش.
وبعد لحظة، قالت
بس إنتِ كمان كنتِ ممكن تتكلمي بهدوء.
بصيت لها وقلت
أنا كنت بتكلم عن فاتورة زادت 300 جنيه. حتى لو صوتي علي، ده ما يديش لأي حد الحق يضربني. وأنا مستعدة أراجع طريقتي في الكلام لو غلطت، لكن مش هقبل أتحمل مسؤولية إيد حد تاني.
منى رفعت عينها ليا وقالت
أنا آسفة يا نهى. أنا كنت قاعدة وساكتة، وكان المفروض أقول إن اللي حصل غلط.
بصيت لها، وقلت
أنا كنت مستنية منك موقف، لأنك كنتِ دايمًا بتقولي إني أختك.
دموعها نزلت، وقالت
عارفة.
أما الحاجة سعاد، ففضلت ساكتة.
كنت عارفة إن الاعتذار ده مش هيصلح كل حاجة فورًا، لكنه كان أول مرة حد في البيت يعترف إن اللي حصل كان غلطًا حقيقيًا، مش مجرد خلاف على فاتورة.
وقبل ما يمشوا، قلت للحاجة سعاد
أنا مش هقطع علاقتي بيكم، ومش همنع كريم من إنه يزوركم. لكن من النهارده، كل واحد هيكون مسؤول عن مصاريفه، والمساعدة هتكون على قد قدرتي ورغبتي، مش واجب مفروض عليّا. والأهم إن الاحترام مش مرتبط بفلوس.
هزت راسها من غير ما تتكلم.
مرت الشهور، وبدأت حياتي تتغير فعلًا.
كريم نقل إقامته لشقتي، وبدأنا نقسم مصاريف حياتنا بوضوح، وكل واحد بقى عارف التزاماته. ما رجعتش أدفع مصاريف بيت أهله، لكنه كان يزورهم بانتظام، ويساعدهم في حدود قدرته.
في البداية، كانت الحاجة سعاد متضايقة، وكانت بتشتكي أحيانًا من إن الحياة بقت أصعب من زمان.
لكنها بدأت تتعلم تدير مصاريف البيت على قد ډخلها، وعماد بقى يشارك في القرارات بدل ما يسيب كل حاجة تمشي من غير حساب.
ومنى بدأت تشتغل، حتى لو شغل بسيط في البداية، وبطلت تتعامل مع أي مساعدة على إنها حق مضمون.
أما كريم، فاحتاج وقتًا طويلًا علشان يفهم إن المشكلة ما كانتش في الفلوس وحدها، لكن في إنه سمح لعلاقتنا تتحول لعلاقة فيها طرف بيقدم طول الوقت، وطرف تاني بياخد ويعتبر ده طبيعي.
بدأنا نحضر جلسات استشارة زوجية، واتفقنا إن أي خلاف بيننا يتحل بيننا، وإنه ما ينفعش يسمح لأي حد من العيلة يتدخل بطريقة تهينني أو تهينه.
ما كانتش حياتنا مثالية، لكن بقى في محاولة حقيقية للتغيير.
والأهم، إني ما رجعتش نهى القديمة اللي بتقول حاضر على كل حاجة خوفًا من زعل حد.
بقيت أساعد لما أكون قادرة، وأرفض لما أكون مش قادرة، من غير ما أحس بالذنب.
وبعد حوالي سنة، في تجمع عائلي بسيط عند عماد، حصل موقف خلاني أعرف إن الدرس وصل أخيرًا.
كنت قاعدة مع العيلة، ولما اتكلموا عن مصاريف البيت، قالت الحاجة سعاد قدام الكل
على فكرة، نهى كانت بتشيل عننا حاجات كتير، وإحنا ما كناش مقدرين ده.
بصت لي، وبعدها كملت
وأنا غلطت في حقها يوم ما ضړبتها. كان المفروض أتكلم معاها، مش أمد إيدي عليها.
المرة دي، ما أضافتش بعدها جملة تلومني فيها، وما حاولتش تبرر اللي عملته.
عماد قال
كلنا اتعلمنا إن محدش المفروض يشيل مسؤولية غيره كلها، وإن المساعدة لما تبقى من غير تقدير بتتحول لمشكلة.
أما كريم، فبص لي وقال قدامهم
وأنا أكتر واحد غلط. نهى كانت مراتي، وكان المفروض أقف جنبها من أول لحظة. أنا اتأخرت في فهم ده، وده شيء أنا ندمان عليه.
ما ابتسمتش ابتسامة انتصار، وما حسيتش إني كسبت معركة.
أنا كنت عايزة حاجة أبسط من كده بكتير.
كنت عايزة أعيش في بيت ما أخافش فيه من الإهانة، وأبقى وسط ناس يشوفوني إنسانة قبل ما يشوفوا اللي بقدمه.
وبالفعل، ده اللي بدأت أحققه.
بعد ما خلصت الزيارة، وأنا خارجة مع كريم، وقف عند باب العربية وقال لي
فاكرة يوم ما قولتي لي ما نرجعش نندم؟
بصيت له وقلت
فاكرة.
قال
أنا ندمت فعلًا، مش بس علشان البيت اتغير بعد ما مشيتي. ندمت علشان كنت شايفك بتتعبي كل يوم، وكنت فاكر إن وجودك جنبي مضمون مهما حصل.
قلت له
أنا ما كنتش عايزاك تخاف من خسارتي. كنت عايزاك تحترمني وأنا موجودة.
هز راسه وقال
عندك حق.
ركبنا العربية، وأنا بصيت من الشباك للطريق اللي كنا ماشيين فيه.
افتكرت القلم، والناس اللي كانوا قاعدين بيتفرجوا، وفاتورة الكهرباء اللي وقعت على الأرض، والضحكة اللي خرجت مني يومها من كتر ما كنت مصډومة.
وقتها، كنت فاكرة إن ضحكتي كانت بداية اڼتقامي.
لكن الحقيقة إني يومها بدأت أرجع لنفسي.
أنا ما حرمتش حد من حقه، وما سرقتش فلوس حد، وما حاولتش أدمّر بيتهم.
أنا بس بطلت أدفع تمن راحتي من كرامتي، وبطلت أشتري رضا الناس بفلوسي.
أما هم، فندموا فعلًا، لأنهم اكتشفوا إن الإنسان اللي كانوا فاكرينه مضمونًا، ممكن في لحظة يقرر إنه مش هيقبل الإهانة تاني.
ومن يومها، بقت فاتورة الكهرباء مجرد فاتورة لكن القلم اللي اتضربت بيه، فضل علامة في ذاكرتهم كلهم، بتفكرهم إن الكرامة عمرها ما كانت بتتقاس بمبلغ، وإن اللي يستهين بحد علشان محتاجه، ممكن يكتشف متأخر إنه كان محتاج احترامه أكتر من أي حاجة كان بيقدمها.