ابن المافيا الصامت الجزء الاول حكايات مني السيد
قال بسخرية اتفضلي يا حلوة، اسأليه بقى عايز ياكل إيه.. لحمة ولا فراخ ولا نجيب له علبة ألوان يسلّي نفسه بيها؟!... المطعم كله سكت، والعيون اتعلقت برجل الأعمال المعروف عز الدين الشهاوي، وهو بيهين ابنه قدام الناس بكل برود.... لكن لما رفعت إيديا وبدأت أتكلم بلغة الإشارة، عيون ابنه اتسعت من الصدمة! رد عليّا فورًا، وبطلاقة خلتني أتجمد مكاني....
اسمي ملك ، عندي ٢٨ سنة، وبشتغل ويتر في مطعم ستيك فاخر في قلب القاهرة، في منطقة الزمالك.
شغلي خلاني أتعامل مع كل أنواع الناس؛ رجال أعمال شايفين نفسهم على الكل، وفنانين فاكرين إن شهرتهم تسمح لهم يقللوا من أي حد، وزباين فاكرين إن البقشيش الكبير يديهم الحق يهينوا اللي بيخدمهم.
لكن ولا واحد من دول كان مستعدّني للمواجهة مع عز الدين الشهاوي.... عز الدين عنده ٦٠ سنة، وبيعتبر واحد من أخطر رجال الأعمال في مصر. عنده شركات نقل ومقاولات وحراسة خاصة، وعلاقاته ممتدة لناس كبار في كل مكان.
كان من النوع اللي أول ما يدخل مكان، الكلام فيه بيقف، والناس بتوطّي صوتها من غير ما حد يطلب منهم.
في ليلة تلات بالذات، والجو بره كان ساقعة والمطر بينزل على إزاز المطعم، دخل عز الدين ومعاه تلاتة من رجالة حراسته، وابنه الوحيد، آدم الشهاوي.
آدم كان عنده ٢٧ سنة، طويل، شعره أسود، وملامحه جذابة بشكل لافت. كان عنده هدوء غريب، ونظراته دايمًا بعيدة عن اللي حواليه. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
آدم كان أصم من وهو صغير... كنت سمعت عنه كلام كتير من الناس اللي بتعرف عيلة الشهاوي. بيقولوا إنه اتعرض لحاډث مأساوي وهو عنده تلتاشر سنة، لما حصل انفجار في استراحة العيلة على طريق إسكندرية الصحراوي، والحاډث ده أخد منه أمه، ومن وقتها حياته اتغيرت تمامًا.
حكايات مني السيد
ومن يومها، أبوه بقى بيتعامل معاه كأنه شخص عاجز عن إنه يعيش حياته أو يتحمل أي مسؤولية.
كانوا بيسموه الوريث المكسور، وبيتداولوا حكايات عن إنه مش قادر يتواصل مع الناس، ولا ينفع يمسك أي جزء من شغل العيلة.
لكن محدش كان يعرف آدم بجد... في الليلة دي، أخدت قائمة الطلبات واتجهت لترابيزتهم.
ابتسمت ابتسامة شغل معتادة وقلت
مساء الخير يا فندم، تحبوا تبدأوا بمشروبات إيه؟
عز الدين رد من غير ما يبصلي
هاتلي ويسكي، ومن غير تلج.
هزيت راسي، وبعدها لفيت ناحية آدم.
وحضرتك يا فندم، تحب تشرب إيه؟
قبل ما آدم يرد، عز الدين اڼفجر بالضحك.
وقال باستهزاء
هو إنتِ بتكلميه ليه يا حبيبتي؟ ما هو مش سامعك!
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت بهدوء
معلش يا فندم، بس يمكن يكون عارف هو عايز إيه.
عز الدين سند ضهره على الكرسي، وبص لرجالته بابتسامة مستفزة... والله الموضوع ده هيبقى مسلي!
وبعدين أشار ناحية ابنه وقال
اتفضلي، كلميه! اسأليه عايز ياكل إيه! يمكن يرد عليكي بمعجزة!
واحد من رجالة الحراسة ضحك ضحكة قصيرة، بينما باقي الزباين بدأوا يبصوا لبعض في إحراج، وفيه ناس نزلت عينيها في الأطباق وكأنهم مش سامعين حاجة.
أما آدم، فكان قاعد ساكت، باصص من الشباك على الشارع، كأن اللي بيحصل حواليه مش فارق معاه.
لكن عز الدين ما اكتفاش بكده.
قرب بجسمه لقدام وقال بنبرة مليانة سخرية
ابني بقاله سنين مش بيتكلم معايا. يمكن إنتِ بقى تعرفي تعملي المعجزة اللي محدش عرف يعملها!
في اللحظة دي، إيدي شدت على دفتر الطلبات اللي كنت ماسكاه.... حسيت پغضب شديد جوايا، ڠضب حاولت أخبيه بالعافية. لأن أخويا الصغير، يوسف، كان أصم من يوم ما اتولد... قضيت سنين طويلة وأنا بشوف الناس بتتعامل
معاه كأنه مش بيفهم، لمجرد إنه مش بيسمعهم.
كانوا بيتكلموا قدامه كأنه مش موجود، ويكرروا كلامهم بصوت أعلى كأن المشكلة في علو الصوت، مش في إنهم مش فاهمين طريقته في التواصل.
يوسف كان بيكره الشفقة... وكان بيكره السخرية أكتر من أي حاجة في الدنيا... من ٦ سنين، ماټ يوسف فجأة بسبب مشكلة في القلب.
ومن يومها، جزء مني فضل متعلق بيه، وبكل حاجة كانت بتجمعنا....ما بطلتش أستخدم لغة الإشارة أبدًا.
كنت ساعات، لما أفتقده، أقعد لوحدي وأحرك إيديا بالإشارات اللي اتعودنا نتكلم بيها، كأني لسه بحكيله عن يومي، وهو قاعد قدامي وبيبتسم.
رفعت عيني ناحية آدم...وبعدين، من غير ما أقول كلمة، رفعت إيديا وبدأت أتكلم معاه بلغة الإشارة.
إنت فعلًا عايز تطلب أكل، ولا إنت هنا بس عشان أبوك يلاقي حد يتفرج عليه وهو بيهينه؟
في اللحظة دي، آدم لف راسه ناحيتي بسرعة...عينيه اتسعت، وملامحه اللي كانت جامدة طول الوقت اتغيرت فجأة.
لأول مرة من ساعة ما دخل المطعم، حسيت إنه حاضر معانا فعلًا، مش مجرد شخص قاعد على كرسي بعيد عن العالم.
رفع إيديه ورد عليّا بسرعة وثقة، بلغة إشارة واضحة وطليقة.
عايز ريب آي مستوي متوسط للناقص، وبطاطس، وقهوة. ولو تقدري تعمليها، عايز أب هادي شوية!
عضيت على شفايفي عشان ما أضحكش بصوت عالي.
آدم ابتسم...مش ابتسامة مجاملة، ولا ابتسامة باهتة بيحاول يخبي وراها إحراجه...دي كانت ابتسامة حقيقية، دافية، ومليانة حياة... وللحظة قصيرة، حسيت إن فيه حاجة غريبة اتولدت بينا، حاجة ما كنتش متوقعاها وأنا رايحة آخد أوردر عشاء عادي.
نسيت إننا قاعدين في مطعم مليان ناس، وإن حواليه تلاتة من رجالة الحراسة، وإن أبوه واحد من أخطر الرجال اللي ممكن تقابليهم في حياتك.
لكن اللحظة دي ما كملتش طويل... عز الدين مال