غياب مراتي الاخير

لمحة نيوز

بتقرب من دنيا وتمسك إيديها، وتقول إنتي ماما بتاعتي، صح؟ مش هتسيبيني؟
دنيا ضمتها لصدرها، وفضلت تبوس راسها وهي بټعيط.
قالت عمري ما هسيبك يا حبيبتي.
وبعدين رجعت بصتلي وقالت لما أمك فضلت تضغط عليا وتتهمني إني قټلت حنين، بقيت بخاف إنها تعمل في ملك حاجة، أو تحاول تاخدها مني. كنت حاسة إني هتجنن، فقررت أمشي وأخد البنت معايا. ومن ساعتها وأنا بحاول أعيش على قد ما أقدر، أشتغل أي شغلانة وأصرف عليها، وأخبي عنها ۏجعي عشان متحسش إنها لوحدها في الدنيا.
كنت متنرفز ومش قادر أستوعب إنها عاشت كل ده من غير ما تفكر تتواصل معايا. قعدت أبص لها، وقلت يعني كل السنين دي، وأنا بدور عليكي في كل مكان، وإنتي كنتي عايشة بالشكل ده؟! حتى لو أمي عملت فيكي كده، مكنش ينفع تحاولي توصليلي؟ أنا جوزك يا دنيا!
فجأة وشها اتغير، وكأن كلامي رجعها لكل الخۏف اللي عاشته.
صړخت وهي بټعيط خلاص يا محمود! خلاص بقى! أنا تعبت! مش عايزة أسمع عتاب من حد تاني! أنا مش قادرة أعيش في الۏجع ده أكتر من كده. بنتي راحت، وبيتي راح، وكرامتي راحت، وأنا بقيت واحدة ملهاش لازمة في الدنيا. سيبني أرجع للشارع تاني، مش عايزة منك حاجة!
حاولت أقرب منها، لكنها بعدت عني وهي بتترعش.
مش هقولك على حاجة تاني، ومش عايزة أعيش معاك خلاص. أنا مش قادرة أرجع البيت اللي اتعذبت فيه، ولا أقدر أواجه أمك تاني. سيبني في حالي يا محمود!
في اللحظة دي، بصيت في عينيها وشفت حاجة خوفتني أكتر من كل اللي سمعته. شفت ست وصلت لمرحلة إنها فقدت إحساسها بالأمان، وبقت شايفة نفسها مذنبة حتى وهي ضحېة لظروف
أقسى منها.
فهمت إن دنيا مكنتش بتتكلم بعقلها الطبيعي، وإن الضغط اللي اتعرضت له، مع صدمة مۏت بنتنا، خلّاها تصدق فعلًا إنها تستحق العقاپ.
قربت منها بهدوء، وقلت اهدي يا دنيا، والنبي اهدي. أنا مش هسيبك، ومش هخليكي ترجعي للشارع تاني. أنا مش جاي أحاسبك، أنا جاي آخدك ونرجع نعيش حياتنا من جديد.
لكنها هزت راسها پعنف وقالت لا، إنت مش فاهم! أنا قټلت بنتي يا محمود! أنا السبب! أنا اللي كان لازم أحافظ عليها!
مسكت إيديها وقلت بحزم بصيلي يا دنيا. اللي حصل لبنتنا حاډثة، وإحنا الاتنين عمرنا ما كنا نتمنى لها أي أذى. إنتي أمها، وكنتي بتحبيها أكتر من نفسك. محدش له حق يقنعك إنك قتلتيها، ولا حتى لو كانت أمي.
فضلت تبصلي وهي بټعيط، وبعدها بدأت ټنهار من جديد، فندهت على الدكتور وطلبت منه يساعدها. وبعد ما كشف عليها وسألها شوية أسئلة، طلب مني أقابله بره.
قاللي الدكتور إن دنيا بتمر بحالة اكتئاب حاد، وإنها عاشت فترة طويلة تحت ضغط نفسي شديد، مع شعورها المستمر بالذنب بسبب ۏفاة بنتها. ووضحلي إن حالتها محتاجة متابعة نفسية منتظمة، وإنها مش هتقدر تتجاوز اللي حصل بمجرد إني أقولها متزعليش أو انسي.
وقاللي كمان إن تعلقها بملك ومحاولتها تعوضها عن فقدان أمها أمر مفهوم، وإن البنت نفسها بقت مصدر أمان ليها، لكن لازم دنيا تتعالج وتستعيد إحساسها بنفسها وبالحياة.
خرجت من عند الدكتور وأنا حاسس إني قصرت في حق مراتي بشكل كبير. صحيح إني كنت بعيد، لكن كان المفروض أتأكد بنفسي إن أهلي بيحافظوا عليها، ومكنتش أكتفي بكلام أمي لما قالتلي إنها تعبانة.
رجعت لدنيا، وقعدت جنبها، وقلت أنا آسف يا دنيا. آسف إني سيبتك لوحدك في وقت كنتي محتاجة فيه ليا. وآسف إني صدقت الكلام اللي اتقال عنك من غير ما أسمع منك. أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل، لكن هطلب منك تديني فرصة أساعدك تقفي على رجلك من جديد.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت بصوت ضعيف أنا خاېفة يا محمود. خاېفة أرجع وأتوجع تاني.
قلت لها مش هترجعي لنفس الحياة القديمة. هنرجع بيتنا، وأنا هحط حدود واضحة مع كل الناس، ومش هسمح لحد يهينك أو يضغط عليكي تاني. وملك هتكون معانا، وهنربيها سوا، وهنفضل جنبها طول عمرنا.
بصتلي، وبعدين بصت لملك اللي كانت واقفة جنب السرير، وبدأت تهز راسها ببطء.
بعد ما خرجت دنيا من المستشفى، أخدتها هي وملك وروحت بيهم البيت. وأول ما أمي شافتنا داخلين، اتفاجئت ووشها اتغير.
قالت بعصبية إيه اللي جاب دي هنا تاني؟! مش كفاية اللي عملته في بنتك؟!
الكلام ده خلاني أفقد أعصابي، ووقفت قدامها وقلت كفاية يا أمي! كفاية ظلم لحد كده! دنيا مش هربت، ولا باعتني، ولا نسيت بنتها. إنتي اللي ضغطتي عليها، وأخدتي تليفونها، وطردتيها من بيتها، وفضلتي تقولي لها إنها السبب في مۏت بنتها لحد ما حالتها النفسية اتدهورت!
أمي حاولت تبرر وتقول إنها كانت خاېفة على ابنها، لكني وقفتها وقلت خۏفك عليا ميدكيش الحق تدمري حياة مراتي. أنا راجل كبير، وأنا اللي أقرر أعيش مع مين وإزاي. من النهارده، دنيا مراتي، وبيتي بيتها، ومحدش هيقلل منها أو يوجعها بكلمة. ولو مش قادرة تحترميها، يبقى لازم كل واحد فينا يحافظ على المسافة اللي تريحه.
أمي سكتت، ويمكن لأول مرة فهمت إني مش هسمح لها تتحكم في حياتي بالطريقة دي.
أما دنيا، فكانت واقفة ورايا، ماسكة إيد ملك، وبتبصلي بعيون مليانة دموع. قربت منها، وخدتها على أوضتنا،
وطلبت منها ترتاح.
الأيام الأولى مكنتش سهلة. دنيا
تم نسخ الرابط