بعد وفاء امي الجزء الأول
دخلتي.
بعد موت امى ١
سمعت صوت ضحكتها الدلوعة، وهو بيكمل كلامه وبيقرب منها، وسمعت صوت بوسته لإيدها وهو بيحلف لها إنه هيعملها كل اللي نفسها فيه وإنها هتبقى ملكة في الشقة اللي فوق.
كل كلمة كانت بتطلع منه كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين، بقيت حاطة إيدي على بوقي وبكاتم في صرخطي عشان محدش يحس بيا ولا يسمع عياطي. جوزي اللي عمري ما شفت منه غير البرود والتحكم والضرب، مطلع كل الحنية دي لواحدة تانية وقدام عيني! وفي نفس الشقة اللي أنا شغالة فيها.. حسيت في اللحظة دي إن الدنيا ضلمت في وشي، وإني رخيصة أوي عندهم، لدرجة إنهم مش عاملين أي حساب لكسرة قلبي ولا لدموعي اللي مش راضية تقف.
وفجأة، وسط ضحكهم ودلعهم، سمعت العروسة بتقول له بنبرة دلع وفي نفس الوقت فيها لؤم بس أنا يا حبيبي مش حابة فكرة إن بنت عمك دي تفضل قاعدة معانا في الشقة كده.. شكلها مش مريحني.
رد عليها جوزي بسرعة ومن غير ما يفكر ثانية واحدة، وبصوت كله ثقة ورخص ليا قالها
يا حبيبتي متشيليش همها خالص، اعتبري بنت عمي دي شغالة عندك، العيلة كلها بتعتبرها كده أصلاً! دي لا بتروح ولا بتيجي، ووجودها زي عدمه.. مجرد إيد بتخدم وتريحنا.
الكلمة دي كانت الرصاصة اللي قضت على الباقي من روحي. العيلة كلها بتعتبرها شغالة.. يعني السنين اللي فاتت دي كلها، وخدمتي لتيتا وعمتي، وطاعتي ليهم وسكاتي على ظلمهم، كان بنظرهم مجرد شغل شغالة ملهاش تمن! حتى جوزي اللي اتجوزني عشان يسترني زي ما كانوا بيقولوا، شايفني مجرد خدامة هيقدمها لعرسته الجديدة عشان ترضى عنه.
حطيت ضهري على الحيطة ونزلت على الأرض بالراحة وأنا مش قادرة أصلب طولي. الدموع جفت في عيني واتقلبت لنار قايدة.. حسيت بكمية رخص وقلة قيمة عمري ما تخيلت إني هعيشها. وفي وسط وجعي، سمعت ضحكة العروسة وهي طايرة من الفرحة بكلامه، وكأن كرامتي اللي اتدست تحت رجليهم كانت هي المهر اللي بيقدمهولها عشان يرضيها.
بدأت العزومة والبيت اتملى بأهل العروسة الجديدة، وكنت واقفة في المطبخ بجر رجلي جر، كل طبق بطلعه كان بيطلع معاه حتة من كرامتي ومن روحي. كنت بسمع ضحكاتهم وصوت عمتي وهي بترحّب بيهم وتقول نورتوا بيتكم يا جماعة، الشقة اللي فوق جاهزة وعلى المفتاح لست البنات، والعروسة ترد بدلع وتشكُرها. وطول الوقت ده، جوزي مكنش بيبطل نظرات الحنية ليها، النظرات اللي عمري ما شفتها.
لما مشيوا، دخلت عمتي المطبخ وبصت لركام المواعين والأكل الفاضل، وقالت لي بنبرة خالية من أي رحمة شطورة، بيضتي وشنا قدام الناس.. يلا لمي الليلة دي كلها وروقي المطبخ قبل ما تنامي، ومش عايزة أسمع لك حس الصبح، وراكِ غسيل وترويق للشقة اللي فوق عشان ننقل جهاز العروسة.
بعد موت امى ١
مكنتش قادرة أنطق، دخلت الأوضة ورميت جسمي على الأرض ورا السرير، مكنتش عايزة أنام جنبه على السرير اللي بيجمعنا، لاني بقيت أحس بالرعب والاشمئزاز منه. دخل هو الأوضة، مابصليش حتى، رمى هدومه على الكرسي ونام وهو بيتكلم في التليفون ويضحك بصوت واطي، وعرفت إنه بيكلمها هي.
في الليلة دي، والبيت كله ساكت، مكنتش بعيط.. دموعي كانت نشفت تماماً، وجوايا حاجة غريبة بدأت تتولد، حاجة عمري ما حسيت بيها وأنا طفلة.. الغل والكره. تذكرت كلام ستي لما كانت بتقولي يا بنتي الطيب بياخد نصيبه في الآخر، بس اكتشفت إن الطيب في زماننا ده بيداس بالرجلين، وإن طاعتي وسكاتي هما السكينة اللي ذبحوني بيها.
الصبح طلع، وبدأت رحلة العذاب اليومي، بس المرة دي زاد عليها شغل الشقة اللي فوق. كنت بطلع السلم وأنا شايلة المقشات والمنظفات، وأدخل الشقة اللي المفروض كانت تكون بتاعتي، الشقة متوضبة على أعلى مستوى، ألوانها مبهجة، وفيها كل وسائل الراحة اللي اتحرمت منها تحت. كنت بنظف الأرضيات وأغسل الحيطان وأنا حاسة إن كل خطوة بخطيها في المكان ده بتدبحني.
وفي يوم، وجهاز العروسة بيترص، جت العروسة مع أمها وعمتي عشان يشرفوا على الرص. العروسة كانت بتتحرك في الشقة كأنها ملكة، وتلتفت لي وتقولي بدلع ولؤم اسمعي يا.. إنتِ اسمك إيه صحيح؟ مش مهم، المهم خدي بالك وأنتِ بتمسحي النيش ده، الكاسات دي غالية جداً وجوزي جايبهالي من بره، مش عايزة حاجة تتكسر.
عمتي ضحكت وقالت لها متخافيش يا حبيبتي، دي يدها خفيفة ومتعودة على الشغل من وهي عيلة صغيرة عند أمي، رصي وأنتِ مطمنة.
وقفت في النص، ماسكة الفوطة في إيدي، وبصيت لهم.. أمها بتبص لي بقرف كأني حشرة، وعمتي بتبص لي بانتصار، والعروسة بتتعامل معايا كأني خادمة بمرتب. وفي اللحظة دي بالذات، وجوزي داخل الشقة وشايل في إيده شنط وحاجات ليها، وأول ما شافها جري عليها وفضل يقولها تعبتي نفسك ليه يا قلبي؟ أنا كنت جيت رصيت معاكِ، وبصلي بنظرة تحذير ووعيد كأنه بيقولي إياكِ تنطقي.
في اللحظة دي، حسيت إن عقلي بيفصل عن الواقع. مشيت من قدامهم ونزلت الشقة تحت، دخلت المطبخ وقعدت على الأرض.. الفكرة بدأت تلعب في دماغي، فكرة إني مش هفضل كدة، وإني لازم أحرق قلوبهم زي ما حرقوا قلبي، بس مكنش ينفع أثور وأزعق لأني عارفة إن الضرب والذل هيكونوا مكافأتي، بابا بايعني، وستي