اللقمة المرة الجزء الثاني حكايات مني السيد
الجزء الثاني
قفلت باب شقتي بالمفتاح، وسمعت التكة في قلب الكالون زي ما تكون قفل على قلبي أنا.
وقفت ورا الباب ضهري مسنود على الخشب، أنفاسي طالعة نازلة بصوت مسموع، ورجلي بتترعش من كتر الشحن والعصيبة اللي كنت فيها تحت. الشقة كانت ضلمة وساكتة، مفيهاش حس ولا حركة، بس جوايا كان فيه دوشة تكفي بلد. صوت حماتي وهي بتهددني من على السلم بيرن في دماغي اللي جاي مش هيبقى نقص لحمة وفراخ اللي جاي هيطيرك إنتي بكبرك برة الباب ده!
دخلت الصالة، نورت النور الأبيض الضعيف، وبصيت حواليا. الشقة اللي فوق دي، شقتي أنا ووليد، كانت متوضبة على القد؛ صالون كئيب، وسجادة متواضعة، ومطبخ صغير كنا مركبين فيه بوتاجاز بمسطح تلات عيون وتلاجة تمنتاشر قدم كنا جايبينها بالقسط ولسه وليد بيدفع فيها. من يوم ما اتجوزنا وحماتي قافلة المطبخ ده بحجة هو إحنا غرب عن بعض؟ اللقمة واحدة والحلة واحدة عشان البركة ما تطيرش، وخلتني أطبخ تحت، وأغسل تحت، وأقضي يومي كله تحت من صباحية ربنا، مطلعش شقتي غير على النوم.
قعدت على الكنبة، حطيت راسي بين إيديا، وثواني ولقيت الباب بيتفتح.
دخل وليد.
دخل وهو مقوس الضهر، كتفه الشمال نازل من تقل الهموم، وشه اللي كان الصبح فيه شوية حيوية بقى شاحب زي الكتان المغسول. قفل الباب وراه بهدوء شديد، رمى المفاتيح على الجذامة، وقعد على الكرسي المقابل ليا من غير ما ينطق حرف ولا يرفع عينه في عيني.
فضلنا ساكتين بتاع عشر دقايق كاملين. صمت تقيل يخنق، مفيش فيه غير صوت المروحة السقف اللي بتزيق مع كل لفة.
كسرت أنا الصمت بصوت واطي ومبحوح وليد
رفع عينه، كانت محمرة ومتردمة تراب وشقا، ممزوجة بكسرة نفس توجع أي ست بتحب جوزها بجد عايزة إيه يا مروة؟ مرتاحة كدة؟ شفتي البيت لما طربق فوق دماغنا وبقى ڤضيحة؟
الكلام وجعني، حسيت بنغزة في قلبي، بس تمالكت نفسي وقلتله بهدوء أنا اللي طربقته يا وليد؟ بذمتك ودينك، أنا اللي عملت كدة؟ أنا اللي وزنت الأكل بالجرام وكتبته في دفاتر وخبيت وسترت على بنتي وخليتك تشك في مراتك وتشوفها مفجوعة وبتاكل شقاك؟ أنا اللي كنت بمد إيدي في الحلل من ورا الناس؟ أنا طلبت حقي بس طلبت إنك تعرف إني مش حرامية، ده كان كتير عليا؟
وليد مسح وشه بكفوفه الاتنين، صوابعه كانت خشنة ومشروخة من شغل المواقع، اتنهد تنهيدة شقت صدره وقال لأ مش كتير عليكي حقك. وربنا يعلم إن عيني كانت هتطلع من مكانها وأنا بشوف خط أمي والتواريخ. بس إنتي مش فاهمة يا مروة، إنتي مش فاهمة طبيعة أمي ولا البيت ده. أمي ست صعيدية دماغها حجر، مش بتنسى الإهانة، والنهاردة إنتي كسرتي كلمتها قدامي، وكسرتي بنتها فاكرة إن الموضوع خلص بقفل الباب ده؟ الحړب لسه هتبدأ يا مروة، وأنا اللي هبقى بين السندان والمطرقة.
قمت وقفت، قربت منه وقعدت على ركبي قدام الكرسي بتاعه، مسكت إيده المشققة وحطيتها بين كفوفي وقلتله بعينين باصة في عينيه وأنا مش عايزاك تبقى بين السندان والمطرقة يا وليد. أنا مش ضدك، ولا عمري كنت ضد أمك أنا كنت بدافع عن كرامتي اللي كانت بتتداس كل يوم تلات مرات مع كل وجبة. من النهاردة، إنت قولت كلمتك تحت، مطبخنا هنا يشتغل، ناكل لقمتنا بالجبنة والزيتون هنا في ستر، وأمك تنزل لها طلباتها ومصروفها في إيدها معززة مكرمة، وتفضل هي على راسنا من فوق، بس بلاش
خلطة، بلاش الاحتكاك اللي بيولد المشاكل.
وليد بصلي بقلة حيلة وهز راسه ياريت الموضوع كان بالبساطة دي بكرة تشوفي أمي هتعمل إيه.
عدت الليلة بالعافية، نمنا زي المضروبين، وصحيت تاني يوم الجمعة على صوت غريب بيرن في بير السلم.
الساعة كانت تمانية الصبح.
نزلت من على السرير، لبست إسدالي وفتحت باب الشقة حتة صغيرة وبصيت. كان فيه صوت خبط ورزع في الدور الأرضي، وصوت ستات بيتكلموا بصوت عالي ومكتوم.
دقايق وسمعت صوت رجول طالعة على السلم، مش خطوة ولا اتنين دول تلاتة!
رجعت لورا، وصحيت وليد بسرعة وليد اصحى، فيه حد طالع عندنا!
وليد قام مڤزوع، لبس جلابيته وطلع يفتح الباب.
أول ما فتح، لقيت قدامي خالته أم سامح، وعمته فتحية الكبيرة، وحماتي في النص، ووراهم نهى حاطة طرحة سودا ووشها متمرمغ في الأرض كأنها راجعة من جنازة!
حماتي بصت لوليد بجمود، ولا كأنها شافته، وقالت لأختها بصوت جهوري مسموع للشارع كله اتفضلي يا أم سامح، اتفضلي يا فتحية ادخلوا شوفوا عشنا الجديد وشوفوا ابن بطني اللي ربيته وشيلته على كتافي بعد مۏت أبوه، عزل أمه وأخته في قعر البيت وطلع قفل على نفسه الباب هو وست الحسن والجمال عشان يطبخوا على رواقة ومحدش يقاسمهم في اللقمة!
وليد وقف مذهول، وشه بقى يقلب ألوان يا خالتي يا عمتي اتفضلوا ادخلوا بس مفيش داعي للكلام ده في السلم!
دخلوا التلاتة ومعاهم نهى، رزعوا كراسيهم في نص الصالة، وعمته فتحية ست عجوزة لسانها متبري منها وعندها الكلمة زي الدبش حطت عكازها في الأرض وضړبت بيه بلاط الصالة وقالت بقى كدة يا وليد؟ بقى ابن الحاج شاكر الله يرحمه، اللي كان فاتح بيته للغريب والقريب، عينه تدق في لقمة أخته العيانة المکسورة؟ بقى تعمل قعدة مع