اللقمة المرة الجزء الثاني حكايات مني السيد

لمحة نيوز

من إيدها وتحت شروطها.
تاني يوم الصبح، وليد كان نازل الشغل، حط تلات تلاف جنيه على الترابيزة، وقال بكسرة نفس وعينه في الأرض مروة دول اللي معايا للشهر ده للأكل والشرب والغاز وكل حاجة تخص البيت فوق. أمي سحبت معاش أبويا اللي كنت بدفع منه قسط التلاجة، واضطريت أدفع القسط من مرتبي بتاع الموقع ومبقاش معايا غير دول لو مش هتقدري، قوليلي، وأنا أنا هتصرف، حتى لو هنزل أشتغل أوفر تايم بالليل في مخازن المعمار.
مسكت الفلوس، ومسكت إيده وبوستها، وقلتله بابتسامة مالية وشي دول فيهم البركة يا أبو العيال، دول هيفيض منهم كمان وهنعمل بيهم أحسن أكل، انزل إنت شغلك وراسك مرفوعة ومتشلش هم لقمة بطنك، شقتك دي مفتوحة ببركة ربنا، وعمري ما هخليك تحتاج لحد.
وليد بصلي بامتنان كأن جبل انزاح من على صدره، ونزل.
أول ما نزل، لبست عبايتي وطرحتي، ومسكت كيس خضار قماش، ونزلت على السلم بخطوات ثابتة.
وأنا نازلة، باب شقة حماتي اتفتح خرم إبرة، ونهى طلعت راسها، بصتلي وابتسمت باستهزاء وقالت بصوت مسموع رايحة السوق يا عروسة؟ يا ترى هتجيبي كافيار ولا بط؟ ههههه سلميلي على بتوع الفول والطعمية!
وقفت على السلم، لفيت وبصتلها في عينيها مباشرة، من غير ڠضب ولا نرفزة، وقلت هجيب اللي يملى عيني وعين جوزي بالحلال يا نهى المهم إن اللقمة اللي هتطبخ، هتتاكل في النور، مش هتتقرطس في كيس ژبالة وتتسرق من الحلل بالخباثة وتاقف في زور اللي ياكلها!
وش نهى جاب ألوان ورزعت الباب في وشي.
نزلت السوق مروة الضعيفة المغلوبة على أمرها ماټت، وصحت مكانها ست بيت مصرية جدعة، تعرف تجيب القرش وتعرف تدبر الحبة تعملها قبة.
بدل ما أشتري لحمة
بلدي بستمية جنيه الكيلو، دخلت منافذ القوات المسلحة وأمان، جبت مفروم مجمد نضيف، وجبت كبدة وكلاوي، وجبت أوراك فراخ وأجنحة وهياكل للشوربة، وجبت خضار السوق في آخر النهار من بتوع الفلاحين؛ بتنجان، وكوسة، وبطاطس شكاير، وبصل وتوم، وشكارة رز صغيرة.
رجعت الشقة، قفلت على نفسي، وبدأت خطة المفرزة المفروم عملت منه صواني بطاطس بالبشاميل تكفي يومين، وعملت كفتة رز بالصلصة، والأوراك خليتها وعملت العضم شوربة تقيلة ومكعبات مرقة شلتها في الفريزر، واللحمة المخلية عملتها شاورما. عملت جدول للشهر كله بالورقة والقلم، أكل مطاعم بس بمكونات موفرة ومحبوكة مفيش فيها هدر لجرام واحد!
ريحة الأكل بدأت تطلع في بير السلم
ريحة تقلية الملوخية بالشهقة المصرية الأصيلة، ريحة صينية البطاطس بالفراخ وهي بتتحمر تحت شواية البوتاجاز، ريحة كيكة البرتقال السخنة اللي عملتها من قشر البرتقال اللي كنت بنشفه.
الريحة كانت بتنزل تخبط في باب حماتي وتهز شبابيكها هز!
يوم الخميس، بعد أسبوع كامل من العزل، وليد رجع من الشغل مهدود، طالع السلم وريحته كلها عرق وتراب. دخل الشقة لقى السفرة مفروشة طبق ملوخية خضرا خفيفة وبتلمع، رز بالشعرية مفلفل حبة وحبة، طبق بتنجان مخلل بالتوم والخل والليمون يفتح النفس، وسرفيس فيه كفتة رز بالصلصة التقيلة المتسبكة، وطبق سلطة خضرا منور.
وليد وقف قدام السفرة وفتح بوقه بذهول مروة إيه ده كله؟! إنتي استلفتي فلوس من أهلك؟!
ضحكت وقربت منه، شلت شنطته ومسحت على كتفه استلفت إيه يا راجل إنت؟ دي فلوسك وخيرك! ادخل اغسل إيدك وشك وتعالى كل وسمي الله.
قعد وليد ياكل بنهم، بياكل وهو بيبصلي ومبتسم، كأنه أول مرة ياكل أكل بيتي حقيقي مفيش فيه منّة ولا نظرات مراقبة من أمه ولا عد نواب من أخته. خلص أكله، وشرب كوباية الشاي التقيلة بالنعناع، وحط راسه على المخدة ونام أهدى نومة نامها من شهور.
بس وأنا نازلة بعد العشا أرمي كيس الژبالة الصغير في البرميل الكبير اللي تحت السلم، النور كان قاطع في المدخل.
نزلت بالراحة عشان ما اتكعبلش، وفجأة
سمعت همس طالع من منور العمارة، ورا مواسير المية.
وقفت مكاني وكتمت نفسي.
كان صوت نهى، ومعاها صوت تاني صوت راجل غريب!
قولتلك مش هينفع كدة، الولية فتحية بوظت الخطة، ومروة ممشية البيت فوق بالمسطرة ووليد مبيفارقهاش! صوت الراجل رد بهمس واطي وفحيح يقشعر له البدن ملكيش دعوة بوليد ولا مروة، اسمعي كلام أمك، أنتي هتحطي المفتاح ده في باب شقتهم بكرة الجمعة الصبح وهما في الصلاة، وتسيبي الكيس ده جوة الصالون تحت الكنبة وساعتها وليد مش بس هيطردها، ده هيدفنها مكانها ويسلمها للشرطة بإيده!
اتسمرت في مكاني، ضهري لزق في حيطة السلم، والضلمة حوليّ بقت بتلف بيا زي الدوامة
مفتاح إيه؟ وكيس إيه اللي هيتحط في شقتي ووليد في صلاة الجمعة؟!

تم نسخ الرابط