هدية حماتي كتاب الطبخ الجزء الثاني حكايات مني السيد
الجزء التالت والأخير
في ناس بتعيش عمرها كله فاكرة إن الفلوس والنسب العالي هما اللي بيعملوا قيمة البني آدم، ومبيفوقوش غير لما يلاقوا نفسهم في قاع ملهوش قرار، والوحيد اللي يقدر يمدلهم إيده هو نفس الشخص اللي داسوا عليه زمان.
الممر اتقلب في ثانية.
صوت عم رجب السواق كان بيتردد في طرقة المستشفى زي القنبلة اللي اڼفجرت في وش الكل. السكوت اللي نزل بعد كلامه كان مرعب لدرجة إن صوت أجهزة الرعاية من بعيد كان مسموع بوضوح.
كريم كان ماسك الظرف الأبيض بإيد بترتعش، عروق إيده كانت نافرة، وعينيه اتعلقت بوش أمه اللي فجأة اتحول للون الرمادي.. لون المۏتى.
انطقي..
الكلمة طلعت من بؤ كريم بصوت واطي ومبحوح، بس كانت تخوف أكتر من أي صړيخ.
كريم يا ابني.. متصدقش الراجل ده! ده سواق كداب، تلاقيه واخد قرشين من حد عشان يوقع بينا!
نادية كانت بتهذي، بتتحرك يمين وشمال كأنها بتدور على مخرج من الأوضة، إيديها اللي كانت متعودة ترتفع بغرور بقت بتترعش وتدور على أي حاجة تسندها.
كريم فتح الظرف ببطء شديد، وطلع الورق الرسمي اللي عليه أختام المحامي ومسودة التوكيل والوصية اللي كان والده مجهزها عشان تتسجل في الشهر العقاري. الورق كان واضح ومفهوم ومكتوب فيه كل حاجة بحروف مفيهاش شك
تنازل وهبة مشروطة عن فيلا التجمع الخامس وقطعة أرض بالتجمع ومحفظة أسهم، مناصفة بين ابني كريم محمود عبدالسلام وزوجته الدكتورة مريم أحمد، تقديرًا لجهدها وأخلاقها، ولتأمين مستقبل أسرة ابني بعيدًا عن أي نزاعات.
كريم رفع عينه من الورق، وبص لأمه. النظرة اللي في عينه مكنتش نظرة ابن لأمه، كانت نظرة راجل اكتشف فجأة إن الست اللي ربته كانت قادرة تضحي بروح أبوه عشان شوية حيطان وحسابات في البنك.
بابا كان ھيموت عشان ده؟
كريم سأل وهو بيهز الورق قدام وشها
عشان الورق ده يا ماما؟ اتخانقتي معاه امبارح بالليل بعد ما مشينا من الغدا، وعليتي صوتك عليه وضغطتي على أعصابه لحد ما شريانه اتفجر الصبح؟ وكمان لما وقع في العربية وجريوا بيه للمستشفى، أول حاجة فكرتي فيها مش تطمني على نبضه.. فكرتي تبعتي تفتشي عربيته وتلمي الورق وتطلبِ تنقليه مستشفى تانية عشان ټموتي السيرة كلها؟!
شيرين وسارة، بناتها، كانوا واقفين حاطين إيديهم على بؤهم وبيعيطوا پصدمة. شيرين قربت من أمها بصوت مقهور
ماما.. إنتِ عملتي كده بجد؟ عشان الفلوس؟ عشان خاېفة مريم تاخد نصيب من أملاك بابا؟! ده بابا كان بېموت جوه!
نادية صړخت فجأة، وكأن القناع الأخير اللي كانت لابساه اتكسر خلاص، وبانت الحقيقة اللي كانت ډافناها سنين تحت المظاهر والطبقية الكدابة
أيوه عملت كده! عشان مفيش واحدة زي دي تيجي على الجاهز وتاخد شقى عمري أنا وأبوك! إنتوا فاكرين أبوكم بنى الإمبراطورية دي إزاي؟ باسم عيلتي وفلوس أهلي!
يجي في آخر أيامه يكتب نص الفيلا لواحدة شحاتة طالعة من حواري ولا ليها أصل ولا فصل؟! دكتورة إيه وزفت إيه اللي تخليه يقلل من ابني ويكتبلها شقاكم؟!
أنا كنت واقفة باصة للست دي بذهول، مكنتش قادرة أستوعب إن فيه بني آدم قلبه ممكن يوصل للمرحلة دي من السواد.
كريم مقدرش يمسك نفسه، صوته زلزل الممر كله
الشحاتة دي هي اللي لسه مخلصة خمس ساعات على رجليها بتخيط في شريان أبويا المفتوح عشان ترجعهولك عايش! الشحاتة دي اللي شريف البنا بيتحايل عليها تسافر معاه مؤتمرات بره، وهي اللي رفضت تمد إيدها على قرش واحد مني من أول يوم عرفتها فيه! إنتِ مريضة يا ماما.. مريضة بمرض ملهوش علاج!
الدكتور شريف البنا قرب من كريم وحط إيده على كتفه بهدوء وبصرامة في نفس الوقت
يا بني، وطي صوتك، إحنا قدام الرعاية المركزة وفي مرضى حالتهم حرجة. مدام نادية، أرجوكي اطلعي بره القسم خالص، وجودك هنا بيعطل شغل المستشفى وبيأثر على نفسية الفريق الطبي، والأهم إنه خطړ على المړيض لو فاق وشاف التوتر ده.
نادية بصت حواليها، لقت كل العيون بتبصلها باحتقار.. الممرضات، الدكاترة الصغيرين، السواق اللي كان بيخدمهم سنين، وحتى ولادها اللي بقت غريبة في وسطهم.
بصتلي بنظرة أخيرة مليانة كره وحقد متداري ورا دموع الهزيمة، وشدت شنطتها وجريت على الأسانسير وهي بټعيط پهستيريا وبتسب في الكل.
عدت الستة وتلاتين ساعة اللي بعد العملية وكأنها سنين.
أنا منمتش دقيقة واحدة. مكنتش قادرة أسيب المستشفى، مش عشان حمايا ولا عشان كريم، لكن لأن دي أصعب مرحلة في جراحات الشريان الأورطي. الڼزيف بعد العملية ممكن يحصل في ثانية، وتجلط الډم وارد، والمخ لازم نفضل مراقبين إشاراته لإن الدورة الدموية وقفت وقت تركيب الوصلة الصناعية.
كنت قاعدة في أوضة الدكاترة بشرب قهوة للمرة العاشرة، لما لقيت كريم بيخبط على الباب وداخل.
شكله كان متبهدل، الدقن طالعة وعينيه حمرة من قلة النوم، والتريننج اللي عليه كان مبهدل. كريم الشاب الأنيق اللي طول عمره بيختار أحسن البدل وبيهتم بكل تفصيلة في شكله، كان دلوقتي شبه تايه بيدور على طوق نجاة.
قعد على الكرسي اللي قدامي، وبص في الأرض
مريم.. أنا مش عارف أبدأ كلامي منين.
حطيت مج القهوة من إيدي وبصيتله بهدوء
لو هتتكلم عن اللي حصل بره بينك وبين مامتك، فده مش وقته يا كريم. المهم دلوقتي إن الحاج محمود بدأ يستجيب ومؤشراته الحيوية بتتحسن، وجهاز التنفس الصناعي هنشيله النهاردة العصر بإذن الله.
كريم رفع عينه في عيني، وشوفت فيهم ۏجع حقيقي يكسر أي زعل
أنا مبقتش عارف أنا مين، ولا مين الست دي اللي ربتني. طول عمري عايش وفاكر إننا عيلة مثالية، وإن ماما بس بتهتم بالمظاهر زيادة عن اللزوم، مكنتش أتخيل إنها توصل لكده.. إنها
تبيع بابا عشان أوراق، وإنها تحتقرك وإنتِ أرقى منها ومننا كلنا بألف مرة.
سكت شوية، وبعدين طلع من جيبه علبة القطيفة بتاعت دبلة الخطوبة، وحطها على المكتب قدامي.
بصيت للعلبة باستغراب
إيه ده يا كريم؟
دي كرامتك يا مريم. أنا مقدرش ألومك لو قررتي تسيبي كل حاجة وتمشي. بعد اللي عملته ماما، وبعد الڤضيحة اللي كشفت سواد قلبها، أنا حاسس إني قليل أوي قدامك. إنتِ ملاك، مكانك مش في وسط عيلة مريضة بالمظاهر زينا. لو عايزة تفسخي الخطوبة.. أنا مش هزعل، وربنا يعلم إني هتمنالك أحسن راجل في الدنيا يعوضك، حتى لو ده هيموتني من الحوا.
بصيت لعلبة الدبلة، ورجعت بصيت في عين كريم.
كنت شايفة راجل بيتحمل غلطة مش غلطته، راجل وقف قدام أمه وكسر كبريائها عشان الحق،