هدية حماتي كتاب الطبخ الجزء الثاني حكايات مني السيد

لمحة نيوز

ومترددش لحظة إنه يدافع عني حتى في أضعف لحظاته.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومديت إيدي، وزقيت علبة الدبلة ناحيته تاني
أنا لما وافقت عليك يا كريم، وافقت على كريم الراجل، المهندس المحترم اللي عرفته وحبيته عشان مبادئه، مش عشان اسم عيلتك ولا عشان فيلا التجمع. والدتك اختارت طريقها، واختارت تعيش بالسواد اللي في قلبها، وده يخصها هي لوحدها. لكن إنت.. وقفتك معايا ووقفتك مع الحق هي اللي تثبتلي إن اختياري كان صح.
كريم بلم ودموعه نزلت
بجد يا مريم؟ بعد كل ده؟
بعد كل ده. بس بشرط واحد يا كريم.. ومفيش فيه أي تهاون.
كريم مسح دموعه بسرعة
أي شرط يا مريم، اللي تطلبيه هيتنفذ فورا!
حياتنا هتبدأ من الصفر، بعيد عن أي مليم يخص مامتك. الورق اللي كان عمي محمود عايز يكتبه ده يتقطع وميطلعش عليه شمس. إحنا مش محتاجين حد يجاملنا بفيلا ولا بأملاك عشان نتجوز. إحنا هنبدأ في شقتنا البسيطة اللي اخترناها، ومن تعبنا إحنا الاتنين. وعلاقتي بوالدتك من هنا ورايح هتكون حدودها الأدب والاحترام اللي ديني وأخلاقي بيفرضوهم عليا، مش أكتر ولا أقل.
كريم مسك إيدي وباسها بلهفة وامتنان عمري ما هنساه
ده وعد شرف يا مريم.. وعد راجل، مش هسمح لأي حاجة تمس كرامتك طول ما أنا عايش.
العصر، كانت الرعاية المركزة هادية لما رفعت جهاز التنفس الصناعي عن الحاج محمود.
الراجل فتح عينيه بالراحة، كأنه راجع من سفر طويل ومظلم. بص في السقف، وبعدين دور بعينيه في الأوضة لحد ما عينه وقعت عليا وأنا بعدل المحاليل وبقيس النبض.
شفايفه كانت ناشفة وبتترعش، وحاول يتكلم بصوت ضعيف جدا
م.. مريم؟
ابتسمتله بحنان ومسكت إيده
حمد لله على سلامتك يا حاج محمود. نورت الدنيا من تاني.
دمعة نزلت من طرف عينه وسالت على خده، ضغط بضعف شديد على صوابعي
أنا عايش.. بفضلك يا بنتي؟
بفضل ربنا وكرمه ودعوات كريم، أنا كنت مجرد سبب وواسطة خير يا عمي. متتكلمش كتير دلوقتي عشان
صدرك ميتعبش.
دخل كريم وشيرين بعد ما سمحتلهم بزيارة خمس دقايق بس.
أول ما الحاج محمود شاف كريم، مسك إيد ابنه وحطها على إيدي، وبص لكريم بعينين مليانة دموع وفخر
الذهب بيتعرف في الڼار يا كريم.. وأنا ربنا نجاني عشان أشهد بعيني إنك اخترت صح. البنت دي هي تاج راسنا كلنا، واللي يزعلها كأنه خرج من دمي ليوم الدين.
كريم باس راس أبوه وعيط، وشيرين حضنتني وهي بتهمس في ودني
سامحينا يا مريم.. والله إحنا مكناش فاهمين حاجة، إنتِ أختنا الكبيرة من النهاردة.
وفي وسط اللحظة دي، الباب اتفتح بالراحة.
نادية كانت واقفة بره، باصة من الشباك الإزاز بتاع باب الرعاية.
مكنش مسموحلها تدخل بأمر من دكتور شريف ومن كريم نفسه. كانت واقفة لوحدها تماما، الممر كله فاضي حواليها، لابسة الأسود وكأنها هي اللي ماټت مش جوزها. شافت جوزها بيبتسم، وشافت ولادها بيحضنوني وبيضحكوا من قلوبهم، وشافت العيلة اللي كانت فاكرة إنها بتمتلكها بالفلوس والجبروت، بتتبني من جديد.. بس من غيرها!
عينيها اتقابلت مع عيني للحظة من ورا الإزاز.
مكنتش باصة لها بتحدي، كنت باصة لها بشفقة. شفقة على ست ضيعت كل حاجة حلوة في حياتها عشان شوية مظاهر كدابة وكبرياء أعمى.
نادية نزلت عينيها في الأرض، ولفت ضهرها، ومشيت في الممر الطويل لوحدها، خطواتها مكنش ليها صوت، ومحدش من اللي جوة الټفت عشان ينادي عليها أو حتى يسأل هي رايحة فين.
بعد ست شهور..
القاعة مكنتش فيلا في التجمع، ومكنش فيها تلاتين ألف وردة مستوردة ولا جارسونات بلبس أسطوري. كانت قاعة جميلة ومحترمة على النيل، متزينة بالورد البلدي الأبيض الطبيعي، مليانة ناس بيحبونا بجد.. زمايلي من دكاترة وتمريض القصر العيني اللي وقفت معاهم في أصعب الليالي، وأصحاب كريم المخلصين، وأهلي الطيبين اللي شقاهم وعرقهم طلعوني الدكتورة اللي الكل بيفتخر بيها.
كنت لابسة فستان فرحي الأبيض البسيط، وكريم ماسك إيدي وعينه مش بتنزل من عليا كأنه مش مصدق إن اليوم ده جه.
وعلى الترابيزة الرئيسية، كان قاعد الحاج محمود، وشه ردت فيه الروح، لابس بدلته وشايل عكازه في إيده، وعينه بتلمع بالفرحة وهو بيتفرج على المعازيم.
وجنبه.. كانت قاعدة نادية.
بس مكنتش نادية بتاعة زمان. كانت قاعدة ساكتة، ملامحها هادية، لابسة فستان بسيط من غير دهب ولا ألماظ ېصرخ في وش الناس. من بعد اليوم اللي الحاج محمود فاق فيه وعزلها من كل إدارة أملاكه وقعدها في بيت العيلة، الست اتغيرت تماما. مبقتش تفتح بؤها بنص كلمة تقلل من حد، وبقت بتبصلي پخوف ممزوج باحترام غريب، كأنها مستنية مني أي إشارة رضا.
قربت من ترابيزتهم وأنا شادة ديل الفستان، سلمت على عمي محمود وبوست راسه
منور الفرح يا حاج، عقبال ما تفرح بعيال كريم وشيرين وسارة.
الحاج محمود ضحك من قلبه وقال
ده بنورك يا ست البنات،
يا دكتورة القلوب كلها.
بصيت لنادية، لقيتها قامت وقفت بسرعة، ومدت إيدها بتردد عشان تسلم
مبروك يا دكتورة مريم.. الفستان جميل عليكي أوي، وربنا يسعدكم ويهنيكم ببعض.
ابتسمت لها ابتسامة هادية ومهذبة
الله يبارك فيكي يا طنط، نورتينا.
سيبتها ومشيت عشان ألف على بقية المعازيم، وأنا عارفة كويس إن أكبر انتصار ممكن يحققه البني آدم في حياته، مش إنه يرد الإهانة بإهانة.. لأ.
أكبر انتصار إنك تنجح، وتبني نفسك، وتثبت قيمتك بأفعالك وشغلك وتعبك، لحد ما الدنيا نفسها تدور وتجبر اللي استقل بيك وظلمك، إنه يقف قدامك في يوم من الأيام، وهو موطي راسه وميقدرش ينطق غير بكلمة واحدة بس
حقك عليا.. إنتِ طلعتي أكبر وأعظم بكتير مما كنت أتخيل.
الحكاية خلصت هنا، بس رسايلها مش بتخلص أبدا.
لكل بنت بيتحكم عليها من مظهرها، أو أهل جوزها بيستقلوا بيها وبشغلها وتعليمها خلي نجاحك هو صوتك الوحيد، وركزي في حلمك، لإن الأيام دايما بتنصف اللي بيتعب وبيمشي في طريق الحق.
شكرًا لكل اللي تابع القصة من أول جزء لحد هنا 
شاركوني رأيكم في نهاية القصة.. هل مريم اتصرفت صح لما سامحت وكملت مع كريم، ولا كان المفروض تبعد عن العيلة دي من الأول؟ مستنية كل آرائكم في التعليقات!

تم نسخ الرابط