اهانه الام
مرات ابني رمت الكوتشي في وشي قدام العيلة كلها... بس قبل ما العشا يخلص، الست العجوزة كشفت سر وقّع كل الأقنعة اللي في الأوضة
اخرسي بقى، يا ست يا عجوزة مفيش من وراكي فايدة!
الصرخة دوت في المطبخ زي الرصاصة.
الحاجة زينب اتنفضت لدرجة إن صوابعها فلتت من الفوط اللي كانت بتطبقها على حجرها. وهي في سن التسعة وسبعين، جسمها كان اتعود على الوجع، على التيبس، على ليالي السهر والصباحات التقيلة. بس في كلام لسه بينزل على القلب زي الضربة.
كان الفجر يا دوب بيشقشق.
القهوة لسه بتطلع بخار.
الشمس يا دوب بدأت تزق نورها الباهت من الشباك.
والمطبخ، المكان الوحيد اللي كان بيديها شوية سلام في الوقت ده، اتحول لساحة حرب.
وقفت الحاجة زينب بشبشب بيتها القديم، وإيديها المورمة من الروماتيزم متكورة على بعضها، بتحاول تصغر حجمها. بتحاول، زي دايماً، إنها ماتكونش حمل تقيل على حد.
دي بقت حياتها بقلم منال علي
من ساعة ما السيل هدم بيتها الصغير في البلد، من ساعة ما المكان الوحيد اللي كان مأويها اختفى تحت الطين والمطر، وهي عايشة في بيت ابنها محمود كأنها في فترة اختبار صامتة. كل لقمة، كل نفس، كل خطوة في الطرقة كان بيجي معاها نفس التحذير اللي مابيتنطقش
ماتخديش مساحة.
ماتطلبيش حاجة.
ماتعمليش مشاكل.
قضت الصبح بتعمل اللي متعودة تعمله دايماً، بتدور على أي حاجة صغيرة تكون بيها مفيدة عشان محدش يقول عليها عالة.
غسلت طقم التمرين بتاع حفيدها عمر على إيديها امبارح بالليل.
دعكت بقع النجيل لحد ما عقل صوابعها وجعتها.
نشرته بحرص على الحبل.
وشقرت عليه مرتين قبل الفجر.
بس الجو كان مندي طول الليل، والقماش كان لسه مبلول شوية.
ده كان السبب.
الحاجة التافهة دي.
طقم تمرين مندي شوية.
ده كل اللي كان محتاجه الموقف عشان رانيا تنفجر.
يا رانيا، قالتها الحاجة زينب بصوت واطي، كأنها بتعتذر قبل ما تكمل كلامها، طقم التمرين بتاع عمر لسه مندي شوية. أنا سيبته بره طول الليل، بس الرطوبة...
مالحقتش تكمل.
رانيا لفت من على باب المطبخ، شنطتها في إيدها، والغضب مرسوم على وشها من قبل ما تتكلم.
عديمة الفايدة! صرخت فيها. إنتي بتبوظي كل حاجة!بقلم منال علي
كل كلمة ضربت في المكان زي الكرباج.
الحاجة زينب حست بقلبها بيخبط بقوة في ضلوعها.
رانيا قربت خطوتين، عينيها ضلمت وبتطلع شرار، الغضب اللي بقى مألوف أوي في السنين اللي فاتت. الموضوع عمره ما كان عن طقم التمرين. ولا عن المواعين. ولا الغسيل. ولا عن إن الحاجة زينب بتطبق الفوط ببطء، أو بتمشي بحذر، أو بتسأل بصوت واطي لو حد محتاج فطار.
لأ.
المشكلة كانت في وجودها نفسه.
في سنها.
في ضعفها.
في قلة حيلتها.
في حقيقة إنها لسه قاعدة هنا.
بسببك إحنا اتأخرنا على التمرين، رانيا زعقت. بسببك عمر هيضيع عليه الماتش! قوليلي كده، إنتي إيه فايدتك بالظبط؟ إنتي لسه قاعدة هنا بتعملي إيه؟
الحاجة زينب حست بسخونة بتطلع في وشها.
مش سخونة الإحساس بالذنب.
دي سخونة الإهانة.
الإهانة اللي بتزحف تحت الجلد وتقعد هناك، تحرق في صمت.
الست دي، مرات ابنها، اللي واقفة دلوقتي بطقم ماركة غالي في المطبخ اللي الحاجة زينب نفسها ساعدت زمان في مليانه بالخزين، بتبصلها كأنها زبالة. كأنها حاجة باقية محدش لاقي الجرأة يرميها.
وأقسى ما في الموضوع؟
عيون الحاجة زينب راحت بتلقائية ناحية ابنها.
محمود.
حتة منها.
الابن اللي ربته بإيدين مشققة وشيفتات مضاعفة في مصنع الغزل والنسيج.
الابن اللي كانت بتأكله قبل ما تاكل.
الابن اللي شقيت عشانه، وضحت عشانه، ودعيت له، وهلكت نفسها في الشغل عشانه.
كان واقف هناك.
وماقالش حاجة.
ولا كلمة.
مادافعش عنها.
ماقالش لمراته تهدي.
مامشيش يقف بينهم.
كان واقف بس، جازز على سنانه، عينيه تعبانة، باصص في الأرض كأن السكوت هيغسل إيديه من الذنب.
ده وجعها أكتر من صريخ رانيا مية مرة.
لأن قسوة الغريب حاجة.
وسكوت ابنك، حتة منك، دي جرح تاني خالص.
رانيا ضحكت ضحكة باردة وشدت شنطة عمر من على الكرسي.
مابتعرفيش تعملي حاجة واحدة صح، غمغمت وهي بتجز على سنانها. حاجة. واحدة. صح.
وبعدين، بنظرة قرف قلبت بطن الحاجة زينب، مسكت فردة من كوتشي عمر من على الأرض وحدفتها بكل قوتها.
الكوتشي خبط في وش الحاجة زينب.
خبطة جامدة بقلم منال علي
الأوضة سكتت.
لثانية واحدة غريبة، محدش اتحرك.
الحاجة زينب حست بلسعة الوجع على عظمة خدها في الأول. وبعدين الصدمة. وبعدين السكوت اللي دايماً بيجي بعد الإهانة، السكوت اللي صوته بيبقى أعلى من الصريخ.
عمر اتسمر مكانه.
محمود رفع عينه.
ورانيا وقفت تنهج، كأنها أخيراً عملت حاجة كان نفسها تعملها من زمان.
الحاجة زينب مابكتش.
وده اللي خلى اللحظة أغرب.
هي بس رفعت إيديها اللي بتترعش ولمست جنب وشها.
وبعدين نزلت إيديها.
وببطء، ببطء شديد، فردت ضهرها.
لأن في حاجة اتغيرت.
لشهور، ويمكن سنين، بلعت كل إهانة عشان خاطر السلام. عشان خاطر ابنها. عشان حفيدها. عشان الوهم الضعيف إنها لو سكتت فترة كفاية، الحب ممكن يرجع للبيت ده.
بس لما الكوتشي خبط في وشها، في حاجة جواها هديت وسكنت.
مش اتكسرت.
نورت وبقت واضحة بقلم منال علي
ولما العيلة دي قعدت تتعشى بالليل، رانيا كانت لسه فاكرة إنها كسبت.
كانت فاكرة إنها أهانت ست عجوزة وخرستها.
ماكانتش تعرف إن الحاجة زينب قضت بعد الضهر كله بتعمل مكالمة تليفون... وبعدها مكالمة تانية... وبعدين طلعت ظرف صغير من الدرج التحتاني كانت مخبياه بقالها سنين.
الجزء الثاني
بصيت ل محمود بنظرة مايعرفش يشوفها غير الأم لابنها.. نظرة مش بس بالعين، دي بغريزة قديمة مجروحة لسه مستنية منه يلحقها، رغم إن الدنيا علمتها إن الانتظار ده ملوش لازمة. كان واقف عند باب المطبخ، مفاتيح العربية في إيده، وكاب الكورة لسه معووج من النوم، بيبص لطقم التمرين المندي اللي في إيدي وكأنه جريمة في حقه، أكتر من الإهانة اللي مراته لسه رامياها في وشي. لثانية واحدة، جالي أمل إنه هينطق بكلمة توقفها عند حدها.. بس بدال ما يعمل كده، هرش قفاه وهمس بزهق يا ماما.. أبوس إيدك، مش على الصبح!
بس كده.
لا قال يا رانيا كفاية، ولا ماتكلميهاش كده، ولا دي سهرت تغسله عشان عمر. هي الجملة الضعيفة اللي الرجالة بيقولوها لما يحبوا الدوشة تخلص من غير ما يضطروا يختاروا مين اللي غلطان. حسيت بآخر خيط في قلبي اتقطع، مش غضب.. لسه، بس كان إدراك للحقيقة.
رانيا كانت لسه بتنهج عند الحوض، لابسة فردة جزمة واحدة وماسكة في الرخامة كأن يومها اللي باظ ده سببه طقم تمرين مندي، مش طبعها الحامي. عمر وقف مكانه في الطرقة، شنطة الكورة مدلدلة من على كتفه، ووشه باهت بكسفة الأطفال لما الكبار بيحولوا البيت لمسرحية نكد. نزلت طقم التمرين وماطقتش بكلمة.. لأني وأنا في التسعة وسبعين، اتعلمت إن السكوت مش دايماً استسلام، ساعات بيبقى صوت الباب وهو بيتقفل للأبد.
أنا عمري ما كنت ست ضعيفة ولا ساكتة.
كان فيه وقت صوتي بيرن في صالات المصانع الكبيرة، لما الرجالة والستات اللي هناك اتعلموا إن لهجتي وتواضعي مش معناه إني هفية. جيت الدنيا دي ومعايا فستانين، وعنوان كنيسة مكتوب في ورقة، وإيدين مستعدة تعمل أي شغل مهما كان صعب. بعد سنين طويلة، الإيدين دي ورّمتها الروماتيزم وبقعتها المنظفات والشمس، بس لسه فاكرة كل حاجة.. وبالذات تمن راحة الناس التانية.
البيت