اهانه الام

لمحة نيوز


الليلة دي ماكنتش ساكتة عن ضعف، كنت ساكتة عشان التوقيت يظبط. في جيب الكارديجان بتاعي كانت نسخة من تعديل الصندوق، وفي شنطتي جنب باب المطبخ كانت إخطارات الإخلاء. وبره، في عربية مركونة تحت الشجرة، كانت أستاذة نهاد بتخلص كوباية قهوتها التانية ومستنية الرسالة اللي وعدتها بيها.. أول ما الأقنعة تقع.
بدأ العشا بسلام مزيف.
رانيا كانت بتشكر في اللحمة كأنها هي اللي طلعتها من الفرن مش أنا. محمود صب العصير للكل وبدأوا ياكلوا. عمر اتكلم عن الماتش الجاي، وسلمى عن مشروع المدرسة، ولحد ٢٠ دقيقة، كان فيه وهم إننا عيلة. حتى أنا قولت لنفسي يمكن الموضوع يتأجل، يمكن الجبن يمنعهم من المواجهة.
وفجأة، رانيا خبطت بالسكينة على الكأس.
ابتسمت للكل وقالت إن عندها هي ومحمود خبر عائلي مهم. محمود مد إيده للفولدر اللي جنبه. قلبي ماوقعش.. بالعكس، هدي. ده إحساس اليقين لما الخوف يروح. عمر كان مستغرب، وسلمى بطلت أكل خالص.
رانيا حطت إيدها على قلبها وقالت إحنا فكرنا كتير في مصلحة الكل، وخصوصاً ماما زينب. يا بوي على الشياكة! كانت هتسرقني وتقول رعاية في نفس الجملة. بسبب سنها، وصحتها، ومستوى الرعاية اللي تستحقه، محمود وأنا قررنا إن الوقت جه عشان ننقلها لمكان فيه اهتمام طبي متخصص دار مسنين شيك.
الكل بدأ يهز راسه بموافقة قبل ما يفهموا.
محمود، وشه بقى باهت، زق الفولدر ناحيتي. يا ماما، وما بصش في عيني، ده بس عشان الأمور تبقى أسهل.. المسائل القانونية، إدارة الصندوق، القرارات الطبية. مفيش حاجة هتتغير إلا لو حصل حاجة لا قدر الله. رانيا زودت إنتي أكيد مش عايزة تبقي حمل على العيال بتمسكك بالماضي. الجملة كانت بشعة لدرجة إني تخيلت الأوضة نفسها هتنطق ترفضها.
فتحت الفولدر ببطء بقلم منال علي 
لقيت نفس الورق اللي عليه ماركر، بس المرة دي فيه ستيكر صغير مكتوب عليه الإمضاء بعد التحلية بخط إيد محمود. ابني، اللي كان بيعيط لما ركبته تتخربش وهو صغير، كان بيحدد ميعاد سرقة بيتي كأنه بيحدد ميعاد عند الدكتور.
لأ.
قلتها بصوت هادي، وده اللي صدمهم. كانوا مستنيين دموع، أو رجفة، أو رفض يغطوا عليه بكلام معسول. بس طلعت كلمة واحدة، حطيتها على السفرة زي السكينة. ابتسامة رانيا اتجمدت. محمود بلع ريقه وحاول تاني يا ماما إنتي مش فاهمة، دي حاجات روتينية..
أنا فاهمة كويس أوي.
قفلت الفولدر وحطيت إيدي عليه.
الجو في الأوضة اتكهرب. أم رانيا بصت في طبقها، وقريبهم فجأة بقى مهتم جداً بملحة الملاحة. الكل حس إن العزومة قلبت بجد. بصيت لمحمود أول واحد، لأنه يستحق الكسرة وهو بيتشاف على حقيقته قدام الكل.
إنت بتطلب مني، قلت بصوت مسموع، إني أتنازل عن الصندوق اللي يملك البيت ده.. البيت اللي أنا دفعت تمنه لما البنك كان هيحجز عليك وجيت عيطت في مطبخي.
الأوضة بقت زي القبر.
راس رانيا لفت لمحمود بسرعة لدرجة إن حلقها اتهز. أخوه وقف والشوكه في بقه. والكل بدأ يبص لبعضه بذهول. وفي اللحظة دي، العيال ماكنوش مصدومين، كانوا مرتاحين.. لأن الحقيقة أخيراً دخلت البيت.
رانيا فاقت أول واحدة.
إنتي بتقولي إيه؟ قالت بضحكة صفرا. محمود هو اللي اشتري البيت ده من سنين. بصيت لها وقلت لأ.. محمود كان بيخسر البيت ده من سنين. أنا اللي اشتريته بفلوس تعويض السيل ومعاشي اللي جمعته من شغل المصانع لحد ما إيدي اتلوت. سبته يمثل قدامك إنه صاحبه عشان كنت بحبه أكتر ما كنت بحترم كبريائه.. ودي كانت غلطتي.
محمود كان شكله زي اللي بيتجلد قدام الناس اللي كان بيحاول يبهرهم.
يا ماما، همس بضعف، بس الكلمة مابقاش ليها هيبة، بقى فيها رعب. كملت كلامي العقد في صندوق عيلة زيدان بقاله ٦ سنين. التمويل العقاري اتسدد من فلوسي. الضرائب، وتصليح السقف، واشتراك نادي عمر، ومطبخك الجديد، ومقدم عربيتك يا رانيا.. كله من فلوس الست اللي بقالك ٨ شهور بتعامليها كأنها كركبة مالهاش لازمة.
رانيا قامت فجأة لدرجة إن الكرسي صرخ في الأرض.
إنتي ست كدابة وبتاعة حوارات! هزت راسها بغل، ووشها بقى أحمر من الفضيحة مش من العصير. بصيت لها ولقيت نفسي هادية جداً.. مابقيتش أخاف منها.
صدقي اللي تحبيه.. مصلحة الشهر العقاري صدقتني الصبح.
هنا فقدت أعصابها تماماً.
مش بشياكة، ولا بإهانة ذكية.. لأ، دي زقت الكرسي، وخلعت فردة جزمتها اللي بكعب من تحت الفستان، وحدفتها بكل قوتها في وشي وسط غلها إن كدبتها اتكشفت قدام الكل. الكعب خبط في عظمة خدي خبطة رنت في الأوضة. حد شهق، وسلمى صرخت، وعمر وقف مخضوض.
الأوضة كتمت نفسها.
رفعت إيدي لمست وشي، حسيت بالسخونية بتزيد مكان الخبطة، ونزلت إيدي. رانيا كانت بتنهج زي وحش محبوس، واقفة بفردة جزمة واحدة وشعرها منكوش من العصبية. محمود كان قايم نص قومة ووقف مكانة، كأنه مابقاش فيه حيلة يعملها. الكل كان مستني أشتم، أعيط، أقع.. أو أسكت السكوت القديم.
بدل كل ده، مسحت طرف بوقي بالمنديل، بصيت للجزمة اللي وقعت جنب سبت العيش، وقلت بكل برود شكراً يا رانيا.. كنت محتاجة الكل يشوف حقيقتك بعينه قبل ما أقولهم إيه اللي هيحصل دلوقتي.
طلعت موبايلي وبعت رسالة واحدة دلوقتي بقلم منال علي 
بعد تلاتين ثانية، باب الشقة اتفتح.
دخلت أستاذة نهاد ببدلتها الكحلي وشنطتها الجلد، ووراها أمين شرطة. محدش اتحرك. رانيا انكمشت كأنها شمت ريحة القانون. نهاد حطت ملف ورق رسمي على السفرة بين طبق الرز واللحمة، وبصت لمحمود بصة احتقار.
الحاجة زينب هي المالك الوحيد والواصي الشرعي على العقار ده، قالت بصرامة. والنهاردة الصبح لغت أي صلاحيات استشارية لمحمود، وعدلت الصندوق، وطلبت إخلاء فوري لمحمود ورانيا. الإخطارات دي نافذة من اللحظة دي. وزعت عليهم ظرفين. قدامكم ٣٠ يوم تسيبوا البيت. وبما إن الأستاذة رانيا لسه معتدية بالضرب قدام شهود، فصاحبة البيت بتطلب إخراجها فوراً الليلة دي.
رانيا ضحكت ضحكة مكسورة ده جنان! مش هتمشيني من بيتي عشان خناقة. أمين الشرطة، اللي شاف من ده كتير، بص للجزمة ولخدي المحمر وللوجوه المصدومة وقال يا مدام، اتفضلي معانا بلاش شوشرة الليلة دي. فجأة، كل الديكور والشموع بقى شكلهم يضحك. الناس بتبني بيوت عشان تحس إنها متحضرة، بس التحضر بيمشي أول ما حد يرمي جزمة في وش ست عجوزة ويسميها نقاش.
محمود وقف أخيراً، وإيده بتترعش يا ماما أبوس إيدك، مش كده.. خلينا نتفاهم. بصيت له كتير.. مش محمود بتاع دلوقتي، بصيت لكل النسخ اللي فيه الطفل اللي كان بيسخن، والمراهق اللي كان بيلعب كورة، والراجل اللي كان بيعيط عشان ديونه، والراجل اللي كتب إمضي بعد التحلية عشان يسرقني.
إحنا اتكلمنا سنين يا محمود، قلت بهدوء. أغلبها وأنا ساكتة وإنت سايب مراتك تقول عليا زبالة في البيت اللي أنقذتك فيه.
بدأ يعيط.. عياط مش مشرف، عياط واحد ضعيف ومهزوم. أخوه بص الناحية التانية، والكل كان مكسوف يبص له.
هنا عمر نطق.
كان عنده ١٣ سنة، طول وبقى راجل، بس لسه طفل في صدمته. بابا.. إنت كنت عارف؟ محمود بص له كأنه بيسمع حكم إعدامه. عمر بص للورق وبعدين ليا، ورجع لباباه كنت
 

تم نسخ الرابط