اهانه الام

لمحة نيوز


عارف إن تيتة هي اللي دفعت تمن البيت؟ وكنت عايزها تمضي برضه؟
محمود فتح بوقه.. وماطلعش كلمة. ساعات السكوت بيبقى أصدق من ألف كدبة. سلمى كانت بتعيط في المنديل، قامت وجت وقفت جنبي، حطت إيدها على دراعي، وفي اللحظة دي الكل عرف الحقيقة العيال عارفين مين السند الحقيقي في البيت ده من زمان.
رانيا خرجت الأول.
أمين الشرطة سابها تاخد شنطتها وجاكت وشنطة صغيرة بس. كانت لسه بتزعق وبتهدد بالانتقام وبالقانون وبدعاء ربنا. بس كلامها مابقاش له هيبة، لأن الجمهور اتغير. لما الناس بتشوف القسوة عريانة، الكدب الشيك مابياكلش معاهم.
محمود ماخرجش معاها فوراً.
فضل واقف عند الباب بعد ما الكل مشي.. الضيوف خرجوا مكسوفين، وقريبهم مشي وهو بيبص في الأرض. السفرة كان شكلها يغم.. كاسات نصها مليان، مناديل مرمية، وفردة جزمة في نص الصالة كأنها دليل جريمة. محمود كان واقف وشه كله دموع وشكله بقى عجوز وخايف.
كنت مكسوف، قالها بمرارة.
هزيت راسي عارفة.
خليتها تفتكر إنه بيتي عشان كنت مكسوف قدامها، صوته كان بيترعش. وبعدين سبتها تكمل في الوهم ده عشان كل مرة كنت باجي أصلح الحقيقة، كانت بتبقى أصعب. فيه اعترافات بتطلب السماح، وفيه اعترافات بتكشف الجثة بس.. وده كان التاني.
وامتى بقت سهلة لدرجة إنك تسرقني؟ سألت بالراحة.
غمض عينه.. وده كان الرد. الكسوف ماخلاهوش بس سلبي، خلاه طماع. لما الواحد يداري خيبته كتير، بيفتكر إن الدنيا مديونة له بالسرية. محمود عدى الخط ده لما كتب الملحوظة اللي في الورق.
قدامك ٣٠ يوم، قلت له. العيال هيفضلوا في أوضهم، مش هيتحاسبوا على غلطاتك. تقدر تشوفهم هنا بكل احترام لحد ما تلاقي مكان. بس مسمعش كلمة واحدة عن إمضاءات، أو تضحيات، أو واجب عائلي في مطبخي تاني.
هز راسه زي اللي بيقبل حكم قضائي.. ومشي.
البيت هدي تماماً الساعة ١٠. مش هدوء سلام، بس هدوء ما بعد العاصفة. طلعت العيال يغيروا هدومهم، رميت الأكل البارد في الزبالة، ووقفت لوحدي قدام الحوض والسفرة المكركبة ورايا بقلم منال علي 
بدأت أغسل المواعين.
سلمى جت وقفت جنبي من غير ما أتكلم. وبعدين عمر، كتافه مشدودة وعينه وارمة، خد الفوطة وبدأ ينشف ورايا في صمت. المية كانت بتجري، وصوت الأطباق كان هو الونيس.. ساعات العيلة مابيبقاش غير بإنك تعمل المهمة اللي عليها الدور بإيدك.
عمر قال بصوت واطي أنا آسف.
لفيت له على إيه يا حبيبي؟
بلع ريقه عشان كنت بضحك ساعات لما ماما كانت بتتريق عليكي.. كنت عارف إنها غلط بس.. ماكنتش عايزها تقلب عليا أنا كمان. صراحته كانت توجع. العيال مابيبقوش أشرار فجأة، بيبقوا شركاء بالخوف وبالضحكة اللي مالهاش طعم.
نشفت إيدي وخدته في حضني إنت مش مامتك يا عمر.. ولا إنت سكوت باباك. إنك تعرف إن فيه حاجة غلط دي البداية، وإنك تختار تعمل الصح هو ده اللي بيعمل راجل. هز راسه في حضني. سلمى عيطت تاني، والبيت اللي كان مملكة رانيا، بدأ يبقى بيتنا إحنا بالحق.. بيت قايم على الحقيقة مش على المنظرة.
الشهر اللي بعده كان صعب.
رانيا حاولت تحارب الإخلاء، وحاولت تحرجني قدام القرايب، وقالت لمحمود إنه ضعيف عشان عيط قدامنا. محمود نقل لشقة مفروشة قريبة، ومعاه ندم أكتر من العفش. كان بيجي يشوف العيال بعد الشغل، وساعات يجي بشيلة خضار، وساعات بكتف محني واعتذار مرسوم على وشه. مابلعتش في وشه الباب، بس مالحقتوش برضه. إنك تسيب ابنك يتحمل نتيجة اختياراته دي قمة الأمومة، بس مفيش حد بيكتب ده في بوستات الفيس بوك.
نهاد خلصت كل حاجة ببراعة.
ثبتنا ملكية الصندوق، وحمينا فلوس تعليم العيال من أي طمع مستقبلي. حتى لقيت وصل المطبخ اللي رانيا كانت بتفتخر بيه، نهاد بروزتهولي وكتبت تحته للست اللي دفعت تمن المسرح واستردت الأضواء في الآخر.
بمرور الوقت، حقايق تانية بانت.
محمود اعترف إن رانيا كانت بتضغط عليه بقالها شهور عشان يرهن البيت وياخد قرض يبني بيه ملحق في الجنينة عشان يأجره ويجيب دخل سلبي. كانت بتقول لصحابها إن البيت بتاعها، وإن أنا خرفت والورق مجرد وقت. الأوسخ إنها كانت بتقول إن العيال هيتعودوا لو أنا روحت دار مسنين. لما محمود قال الحتة دي، ماقدرش يحط عينه في عيني. صعب أوي على الأم إنها تسمع ابنها بيحكي إزاي كان هيقلعها من جدرها عشان خاطر رخام جرانيت و خطة استثمارية.
ماسامحتوش بسرعة بقلم منال علي 
السماح السريع بيبقى ساعات حماية للمذنب من إنه يحس بجرمه. بدل ده، كنت بديله شغل. يجي كل سبت يعمل اللي كنت بعمله في صمت سنين يصلح خشب السور، يشيل الحشيش، يرتب الخزين، يودي سلمى المكتبة، يحضر تمرين عمر من غير ما يمسك الموبايل. ماقلتلوش إن ده سماح، سبته يفهم إن الحب مش دموع.. الحب تعب وتكرار.
الشتا جيه هادي السنة دي.
العيال بقوا يحطوا جزمهم بنظام جنب الباب. البيت، بعد ما رانيا مشيت بصوتها العالي، هدي وكأنه خد نفسه أخيراً. رجعت سبت الخياطة بتاعي للصالة، مابقاش فيه حد يقول عليه كركبة. بدأت أعلم سلمى إزاي تخيط، وعمر بقى يجيب طقم التمرين المندي ويحطه جنبي ويقولي لسه معانا وقت يا تيتة، صح؟ ويضحك.. لأن البيت بقى مكان القماش المبلول فيه مش سلاح.
محمود اتغير ببطء.
وده المهم، لأن اللي بيتغير بسرعة بيبقى بيمثل. سكن في شقة أصغر، وباع العربية اللي مابقاش قادر على قسطها. بطل يسمي نفسه حمامة سلام وبدأ يواجه حقيقته إنه كان جبان.. ودي كانت أكبر علامة على إنه بدأ يكبر بجد.
رانيا اختفت من حياتنا بالتدريج.
راحت عاشت مع قريبتها في المنصورة، وسمعنا إنها بتقول للناس هناك إننا ناس مفترية وبنحب الفلوس. مادعيتش عليها، التجاهل أقوى عقاب بقلم منال علي 
في الربيع، السفرة رجعت ملكي تاني.
شلت الخدش اللي عملته فردة الجزمة، ودهنت الخشب لون غامق شيك، لأن فيه حاجات تستحق تفتكر اللي حصل من غير ما تفضل شايلة الجرح. في أيام الحد، محمود بيجي يتغدا معانا، ساعات هو اللي بيطبخ تحت إشرافي، وساعات عمر هو اللي بيرص السفرة. مابقاش فيه حد بيزعق عشان يسيطر على القعدة.. دي قاعدتي اللي عايز يتسمع، يتكلم وهو مستني رد.
في الذكرى الأولى للعزومة دي، عمر رجع من الماتش بطقم ناشف وواقف على باب المطبخ بيضحك.
كان جاب جولين. وسلمى كانت عاملة له لافتة تشجيع. ومحمود صوته راح من كتر الهتاف في المدرجات. كنت بقلب شوربة الخضار لما عمر حضني وقال بصدق أنا فرحان إنها حدفت الجزمة.
بصيت له باستغراب دي كلمة وحشة يا واد!
ضحك وقال عارف.. بس لو ماكنتش حدفتها، يمكن ماكانش حد شاف الحقيقة كلها مرة واحدة. دي كانت رؤية طفل.. الحقيقة كانت موجودة، بس الإهانة هي اللي خلت إننا نغمض عيننا مستحيل بقلم منال علي 
بليل، بعد ما الكل مشي، قعدت لوحدي مع كوباية شاي بالقرفة، ومشيت إيدي على خشب السفرة الناعم.
زمان، كنت فاكرة إن الحب معناه إنك تستحمل أكتر من كرامتك. كنت فاكرة إن السكوت هو الضريبة اللي الأم بتدفعها عشان عيلتها تفضل ملمومة. كنت فاكرة إنك لو بلعت
الإهانة، ابنك هيفتكر إنتي مين. بس السن لما بيبقى صادق، بيشيل العاطفة الزيادة زي ما المطر بيشيل البوية القديمة.. واللي بيفضل هو الأصل.. الحقيقة.
رانيا حدفت الجزمة عشان تخرسني للأبد.
بس حصل العكس.. الخبطة خلت وشي أحمر ساعة، بس خلت حياتي رايقة للعمر كله. وده كان الانتقام اللي محدش توقعه.. مش الغل، ولا الشتيمة، ولا حتى الطرد.. هو إن ست عجوزة قررت أخيراً إنها مش هترّيح حد على حساب كدبة هي اللي دافعة تمنها.
تمت

 

تم نسخ الرابط