اهانه الام

لمحة نيوز


اللي رانيا بتقولي فيه إني ماليش فايدة ده، ماكنش هيبقى موجود لولايا.
من ست سنين، لما شركة الشحن بتاعة محمود وقعت في الديون، والبنك بدأ إجراءات الحجز على شقته اللي كان بيفتخر بيها.. في نفس الوقت اللي السيل هد فيه بيتي الصغير في البلد، وتعويض التأمين جالي مبلغ محترم فجأة. محمود بكى في مطبخي يومها وهو بيقولي إنه هيخسر كل حاجة.. وعشان هو لسه ابني في الحتة اللي الوجع ما بيوصلهاش، دفعت كل القرشين اللي معايا، مكافأة نهاية الخدمة وتعويض البيت، عشان أنقذ ابنه وعيلته من الشارع.
بس ماكتبتش البيت باسمه.
المحامية صاحبتي، أستاذة نهاد، ست شديدة وعارفاني من زمان، قالتلي يا زينب بلاش طيبة قلبك تخليكي تضيعي حقك. فالبيت اتسجل باسم صندوق عيلة زيدان، وأنا الواصية والمالكة الوحيدة قانوناً، رغم إن محمود ورانيا عاشوا فيه كأن الملكية بتاعتهم طبيعي. محمود كان عارف الحقيقة، وحلف لي وعينه مليانة دموع وإيدي بين إيديه، إنه عمره ما هينسى الجميل ده.
وبعدين اتجوز ست، فضلت منظره قدام الناس على كرامتي أنا.
لما السيل خد بيتي، كان المفروض قعدتي معاهم مؤقتة.. دي الكلمة اللي الكل استخدمها، بما فيهم أنا، عشان مؤقت وقعها أخف من عالة. رانيا استقبلتني بابتسامة الست الشيك اللي عايزة الناس تقول عليها بنت أصول. أول شهر، كانت بتقولي يا ماما زينب، وتعزمني على شاي، وتأكد إن أوضة الضيوف اللي في الدور الأرضي بتاعتي طول ما أنا محتاجاها.
في الشهر التالت، بقت فوطي واخدة مكان كبير في الدولاب.
في الشهر الخامس، الراديو بتاعي الصبح بيصدعها، وجزمتي جنب الباب ممكن تكعبلها، وريحة طبيخي نفاذة أوي، وقعدتي قدام التلفزيون بليل بتجيب كآبة للعيال. في الشهر التامن، بقت أستاذة في إنها تتكلم عليا كأني مش موجودة.. فيه ناس مابتعرفش تتأقلم، فيه ناس مابيفهموش في نظام البيوت المودرن، فيه ناس بيخلطوا بين السن والوجاهة. محمود كان بيسمع أغلب الكلام ده، وماكنش بيرد على كلمة واحدة.
الأحفاد بس هما اللي كانوا شايفيني صح.
عمر، بشقاوته وطموحه، كان لسه بيتسحب للمطبخ بعد التمرين عشان يسرق رغيف عيش سخن من إيدي. و سلمى، عندها تسع سنين ونبيهة، كانت بتقعد على الأرض جنب كرسي الهزاز بتاعي بليل عشان أسرحلها شعرها وأحكيلها عن الستات الجدعة في المصنع زمان. العيال ماكنوش محتاجيني أبهرهم، كانوا محتاجين وجودي بس، ودي بقت مهارة نادرة في البيت ده.
قبل واقعة طقم التمرين بتلات أيام، لقيت الورق.
رانيا كانت سايبة درج البرنتر مفتوح في المكتب اللي جنب السفرة، والهوا قلب الورق لدرجة إن عيني لمحت اسمي. أنا ماكنتش بتجسس، الستات اللي في سني مش محتاجين يتجسسوا لأن الناس اللي بيستهونوا بينا بيسيبوا خططهم قدامنا في العلن. قريت اللي يخلي الدم يتجمد في عروقي.
توكيل عام شامل.. تفويض بنقل رعاية.. واصي بديل في حالة العجز.
اسمي كان مكتوب بالأسود العريض في كل صفحة.
الفقرات كانت متحددة بالماركر كأن حد مستنيني أمضي بسرعة، يمكن بعد التحلية، وسط كلام من نوعية ده مجرد ورق روتيني عشان راحتك يا ماما. بس أنا قضيت عمري وسط عقود ومقاولين، وفاهمة اللي بين السطور. لو الورق ده اتمضى، محمود هيبقى له السيطرة على الصندوق. ولو محمود سيطر، البيت مش هيبقى محمي.. ورانيا هتاخد القرض اللي كانت بتحلم بيه عشان تجدد البيت وتعمل الديكورات اللي هي عايزاها بعد ما ترميني أنا الكركبة بره مطبخي.
نفس الليلة، بعد ما الكل نام، سمعتهم بيتكلموا.
أوضتي جنب غرفة الغسيل، والمنور بيوصل الصوت بوضوح. رانيا كانت بتضحك ضحكتها السخيفة بتاعت الانتصار. وقالت لمحمود اعمل ده يوم العشا يوم الحد.. قدام العيلتين، وقدام القسيس أو شيخ الجامع في سياقنا، وقدام الكل. مش هتعرف تعمل مشكلة قدام الناس. قولها إن ده عشان تأمينها الطبي، وأول ما تمضي، هنحل موضوع ملكية البيت ونبدأ في التوضيبات الجديدة.
محمود سكت كتير بقلم منال علي 
وبعدين قال أنا بس مش عايزها تضايق. غمضت عيني في الضلمة، لأن الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة. ماقالش مش هعمل كده، ولا ده غلط، ولا دي هي اللي أنقذتنا. قال دعاء الجبان المعتاد يا رب آخد اللي أنا عايزه من غير ما حد يحسسني إني وحش.
تاني يوم الصبح، قبل الفجر، خدت أتوبيس ٥٤٠ لمكتب أستاذة نهاد المحامية.
هي لسه بتروح بدري، ولسه بتشرب قهوتها سادة، ولسه بتلبس بدل توحي إن معندهاش صبر للمياعة. لما شافتني واقفة في مكتبها وماسكة شنطتي وفيها الورق اللي مامضيتوش، ماضيعتش وقت في الطبطبة. قريت الورق مرتين وقالت كانوا هيسرقوا البيت بكل أدب وشياكة.
كنت هضحك.. يا إما أعيط. نهاد كانت عارفاني وعارفة إن مفيش فرق كبير بينهم في الصبحيات اللي زي دي. قعدت معاها ساعتين. ولما خرجت، كان صندوق العيلة اتعدل، وصلاحيات محمود اتلغت تماماً، والأحفاد بقوا هما الورثة الأساسيين في صندوق تعليمي محمي، وجهزنا إخطار إخلاء لمحمود ورانيا لو قررت أستخدمه.
قررت أستخدمه وأنا لسه قايمة من على مكتبها.
بس نهاد، اللي عارفة ابني من وهو بيحبي، صممت على حاجة واحدة ماتديهمش الحقيقة في السر. هما اتغذوا على السرية والداري على شمعتك.. اديهالهم في النور، قدام الكل، عشان الفضيحة مابتتنسيش. وقالتلي لو عايزاني أكون موجودة يوم الحد، هاجي. قلتلها يا ريت.
وجيه يوم الحد.
رانيا حولت العشا لمسرحية من اللي بتحبهم.. نص عيلة، نص جمهور، وديكور كامل للنسخة اللي عايزة تظهر بيها. سفرة ممدودة، أطباق غالية، شمعدانات بتلمع، ومناديل مطوية بشكل محدش بيعرف يستخدمه. محمود عزم أخوه ومراته، وأهل رانيا، وقريبهم اللي صوته عالي، وحتى مدرب عمر بتاع الكورة.. لأن رانيا بتؤمن إن مفيش بيان رسمي ليه قيمة من غير شهود.
أنا كان دوري أكون مفيدة وغير مرئية.
لحد الساعة ٤ العصر، كنت قشرت البطاطس، وتبلت اللحمة، وشقرت على الرز، وسخنت العيش، وكويت مفرش السفرة اللي رانيا قالت عليه مرة إن إيدي خشنة ومابتنفعش تطبقه. كانت بتدخل وتخرج من المطبخ بفستانها الشيك وحلقانها الدهب، تعدل ورايا الأطباق، وتتريق على التزيين، وتسألني بمنتهى اللؤم لو كنت لسه قادرة أشيل الصواني من غير ما أوقعها. كانت بتتكلم بصوت المضيفة المثالية، لأن القسوة قدام الناس لازم تلبس لبس شيك.
العيال كانوا حواليا.
عمر كان بينشف الشوك من غير ما أطلب. سلمى كانت بترص سبت العيش وعينها على المكتب، أكيد لمحت الفولدر اللي محمود حطه جنب كرسيه. بوست راسها وقلت لها طلعي الزبدة بره قبل ما تطرى أوي. هزت راسها بس كتافها كانت مشدودة.. الأطفال دايماً بيحسوا لما البيت بيبقى بيجهز خيانة لحد.
الضيوف وصلوا.. ضحك، وبرفانات، وسلامات حارة كدابة.
رانيا استقبلت الكل كأنها هانم البيت اللي ورثته بجمالها. محمود فتح ملوك القعدة وبدأ يحكي حكاوي عن الشغل بصوت عالي شوية، زي ما الرجالة بيعملوا لما يحبوا يصدقوا نفسهم. كنت بدخل وبخرج بالصواني، والكبار بيباركوا الأكل، والصغيرين بيلعبوا في الموبايلات تحت السفرة. محدش لاحظ إني ماقعدتش، محدش سأل ليه الست اللي طبخت الأكل ده كله بتاكل آخر واحدة في المطبخ.
ده كان العادي.
اللي اتغير هو أنا.
لأني
 

تم نسخ الرابط