اختفت
اختفت من وسط الجبال وبعد 3 سنين لقوها جوه كهف مظلم. كانت عايشة نضيفة وبتبتسم وهي مش بترمش. لكن أول كلمة قالتها للمنقذين كانت
متخرجونيش!
من 3 سنين، كانت ليان محمود عندها 19 سنة، طالبة في كلية علوم البيئة، وكانت بتحب الجبال والنباتات النادرة بشكل كبير.
في صباح يوم هادي، قالت لوالدها
متقلقش يا بابا، هروح أجمع شوية عينات لمشروع الجامعة وهرجع قبل المغرب.
حطت شنطتها على ضهرها، أخدت الكاميرا، زجاجة مياه، وأدواتها العلمية، واتجهت لمنطقة جبلية قريبة من سانت كاترين.
آخر صورة ليها كانت عند مدخل أحد المسارات.
كانت واقفة قدام الجبل، بتبص ناحية مجموعة من الصخور، وبعدها دخلت الممر.
ومن اللحظة دي
اختفت.
لما المغرب جه ومارجعتش، والدها اتصل بيها.
موبايلها كان مقفول.
بدأت عمليات البحث في نفس الليلة.
رجال إنقاذ.
متطوعين.
كلاب مدربة.
طائرات بحث.
لكن مفيش أي أثر.
بعد أسبوع، لقى أحد المتطوعين بومة صغيرة منحوتة من الخشب فوق صخرة.
كانت متحطوطة بعناية.
وعلى ظهرها كان فيه رقم محفور
17
الغريب إن كلاب البحث وصلت للصخرة، وبعدها وقفت فجأة.
كأن رائحة ليان اختفت من المكان.
مرت سنة
ثم سنتان
ثم ثلاث سنوات.
لكن والدها ما استسلمش.
كان يقول لكل شخص يساعده
بنتي عايشة وأنا متأكد إنها هترجع.
وفي صباح أحد الأيام، دخلت مجموعة من مستكشفي الكهوف منطقة جبلية بعيدة.
اكتشفوا فتحة ضيقة بين الصخور.
واحد منهم قال
المكان ده مش موجود على أي خريطة.
دخلوا بحذر.
الممر كان ضيقًا وطويلًا، وكلما تقدموا، اختفى ضوء النهار.
بعد حوالي نصف ساعة، وصلوا إلى غرفة واسعة داخل الجبل.
وجه أحدهم الكشاف ناحية آخر الغرفة
فتوقف تمامًا.
كان هناك شخص جالس على الأرض.
فتاة.
ملابسها نظيفة.
شعرها مرتب.
ووجهها هادئ بشكل غريب.
اقتربوا بحذر.
ثم عرفوها.
ليان؟
رفعت رأسها.
كانت هي.
البنت التي بحثوا عنها ثلاث سنوات.
واحد من المستكشفين قال
إنتِ ليان محمود؟
ابتسمت.
لكنها لم تجب.
وجه أحدهم الكشاف نحو عينيها.
كانت تحدق في الضوء دون أن ترمش.
اقترب منها وقال
إحنا جايين نخرجك.
فجأة اختفت الابتسامة من وجهها.
ومسكت بذراعه وقالت
لأ.
ليه؟
قالت بصوت مرتجف
متخرجونيش.
نظر إليها باستغراب.
إنتِ هنا من ثلاث سنين! أهلك بيدوروا عليك!
ردت بسرعة
أنا عارفة.
طب مين مخليك هنا؟
سكتت.
ثم نظرت خلفهم إلى الممر المظلم.
وقالت
المكان بره أخطر.
بدأ المستكشفون يفحصون الغرفة.
وجدوا مجرى مياه صغيرًا يمر وسط الأرض.
وجدوا نباتات صالحة للأكل.
ووجدوا مجموعة من البطاطين والأدوات الطبية.
لكن كل شيء كان مرتبًا بعناية.
كأن شخصًا كان يعتني بليان.
أحدهم وجد دفترًا قديمًا فوق صخرة.
فتحه.
كانت الصفحات مليئة بخط يد ليان.
أول صفحة كانت مؤرخة قبل ثلاث سنوات.
كتب فيها
دخلت الكهف النهارده وأنا بدور على نبات نادر.
الصفحة التالية
اكتشفت ممرًا تحت الأرض.
ثم
لقيت غرفة فيها مياه ونباتات.
ثم بدأت الكتابة تتغير.
في حد هنا.
قلب المستكشف الصفحة.
كانت الجملة التالية
مش عارفة هو مين.
ثم
بيسيب لي أكل ومياه.
ثم
مش بيأذيني.
وبعدها
صفحات كثيرة كانت ممزقة.
المستكشف سألها
ليان، مين كان بيساعدك؟
قالت
شخص واحد.
شفتيه؟
هزت رأسها.
لا.
طب عرفتي إنه شخص؟
قالت
لأن كل يوم كان بيسيب علامة.
إيه العلامة؟
أشارت إلى الأرض.
كان هناك صف من البومات الخشبية.
واحدة لكل يوم.
ثلاث سنوات كاملة.
لكن واحدة فقط كانت مختلفة.
كانت البومة رقم 17.
نفس الرقم اللي ظهر على البومة التي وجدها المتطوعون قبل ثلاث سنوات.
اقترب أحد المستكشفين منها.
كان محفورًا على ظهرها
لو وصلتوا لليان متثقوش في أول شخص يسألكم عنها.
ساد الصمت.
وفجأة
صدر صوت من داخل الكهف.
ثلاث طرقات على الصخر.
ثم ثلاث طرقات أخرى.
ليان وقفت لأول مرة.
وظهر الخوف على وجهها.
قالت
هو عرف إنكم جيتوا.
المستكشف رفع الكشاف ناحية الممر.
مين؟
ليان ردت بصوت منخفض
الشخص اللي أنقذني.
ثم أضافت
والشخص اللي منعني أخرج.
وبينما الجميع واقف في صمت
ظهر ضوء ضعيف في نهاية الممر.
شخص كان قادمًا من بعيد.
لكن المفاجأة لم تكن في هويته
المفاجأة كانت في الشيء الذي كان يحمله في يده.
بومة خشبية جديدة.
وعليها رقم
1095
وهو عدد الأيام التي قضتها ليان داخل الكهف رفع الرجل البومة الخشبية أمامه، وتوقف عند نهاية الممر.
المستكشفون وجهوا الكشافات ناحيته.
لكن قبل ما يقدر أي واحد فيهم يتكلم، ليان قالت
متقربوش منه.
الرجل لم يتحرك.
قال بهدوء
أنا مش جاي أأذي حد.
أحد المستكشفين رد
مين إنت؟
الرجل أخرج بطاقة قديمة من جيبه، وحطها على الأرض.
اسمي يوسف حمدي. كنت باحث جيولوجي.
نظر المستكشف إلى البطاقة، ثم إلى ليان.
ليان قالت
يوسف هو اللي أنقذني.
سألها
وأنقذك من إيه؟
ليان أشارت إلى السقف.
من انهيار الجبل.
يوسف أكمل
يوم اختفت ليان، حصل انهيار صخري في المنطقة. هي وقعت في فتحة تحت الأرض، وأنا كنت بعمل مسح جيولوجي قريب من المكان.
طب ليه ما بلغتش أهلها؟
يوسف سكت.
ثم قال
بلغت السلطات.
المستكشف فتح هاتفه وأظهر له صورة قديمة من محضر البحث.
كان اسم يوسف موجودًا بالفعل ضمن أسماء الأشخاص الذين ساعدوا في البحث خلال الأيام الأولى.
لكن السؤال ظل موجودًا
لماذا بقيت ليان ثلاث سنوات؟
يوسف قال
لأن الطريق اللي دخلت منه اتقفل بعد الانهيار. حاولت أفتح ممر تاني، لكن الصخور كانت بتتحرك كل مرة.
ليان قاطعته
هو كان بيحاول يخرجني.
ثم أشارت إلى الجدار.
بس في حاجة محدش كان يعرفها.
اقتربت من أحد الجدران وضربت عليه بيدها.
صوت أجوف خرج من خلف الصخر.
المستكشفون تبادلوا النظرات.
بدأوا يزيلون طبقة من الحجارة.
وبعد دقائق
ظهر باب معدني قديم.
كان عليه نفس رمز البومة.
يوسف قال
ده سبب إنّي فضلت أرجع للمكان.
فتحوا الباب بصعوبة.
خلفه كان ممر ضيق، وعلى جانبيه عشرات العلامات المحفورة في الصخور.
تواريخ.
أسماء.
وأرقام.
وفي نهاية الممر، وجدوا غرفة صغيرة.
داخلها كانت هناك صناديق قديمة.
فتح أحدهم أول صندوق.
وجد خرائط للجبال.
وفي صندوق آخر، وجد أجهزة قياس قديمة.
لكن الصندوق الثالث كان مختلفًا.
كان يحتوي على ملفات.
أول ملف كان باسم
مشروع 17
فتح المستكشف الملف.
كانت بداخله صور للكهوف نفسها، لكن الصور عمرها أكثر من عشرين سنة.
قال يوسف
المكان ده كان جزءًا من دراسة علمية قديمة.
سألته ليان
وإنت عرفت ده إمتى؟
بعد ما دخلت الكهف لأول مرة.
ثم أشار إلى إحدى الخرائط.
المشروع كان بيدرس المياه الجوفية والنباتات النادرة هنا.
فجأة، ليان أخذت خريطة من يده.
وأشارت إلى نقطة صغيرة.
دي.
سألها
إيه؟
قالت
دي الغرفة اللي كنت فيها.
ثم أشارت إلى خط مرسوم تحتها.
والخط ده بيوصل لمكان تاني.
نظر الجميع إلى الخريطة.
كان هناك ممر مرسوم ينتهي خارج الجبل تمامًا.
لكن يوسف قال
الممر ده مقفول من عشرين سنة.
ليان ردت
لأ.
ثم نظرت إلى الجدار خلفهم.
اتفتح من تلات سنين.
وفجأة
صدر صوت ارتطام قوي من الممر.
ثم بدأ الغبار يتساقط من السقف.
يوسف صرخ
لازم نخرج فورًا!
بدأ الجميع يتحركون بسرعة.
لكن ليان وقفت مكانها.
قالت
استنوا.
كانت تنظر إلى صندوق صغير لم يفتحه أحد.
اقتربت منه.
كان عليه نفس الرقم
17
فتحه المستكشف.
وجد بداخله صورة قديمة.
الصورة كانت لفريق البحث الذي عمل في الكهف منذ عشرين سنة.
وفي آخر الصورة
كان يقف رجل يشبه يوسف بدرجة مخيفة.
المستكشف بص له.
ثم بص للصورة.
وقال
يوسف مين الراجل ده؟
يوسف لم يرد.
ليان أخذت الصورة من يده.
وقلبتها.
كان مكتوبًا خلفها
البحث لم ينتهِ. لو حدث أي انهيار، يجب حماية الغرفة رقم 17.
ليان رفعت عينيها وقالت
دلوقتي فهمت ليه كنت هنا.
ليه؟
ابتسمت للمرة الأولى منذ دخولهم.
وقالت
لأن الكهف كان بيحميني من حاجة كانت بره.
وفي نفس اللحظة
وصل صوت سيارات من خارج الجبل.
كانت فرق الإنقاذ قد وصلت.
وبينما الجميع يستعد للخروج، ركض أحد أفراد الإنقاذ نحوهم وهو يصرخ
ليان! والدك مستنيك بره!
توقفت ليان.
لأول مرة، ظهرت الدموع في عينيها.
لكنها لم تتحرك.
قالت
هو لسه مستنيني؟
رد الرجل
كل يوم.
ليان أخذت نفسًا عميقًا.
ثم مشت نحو مخرج الكهف.
لكن قبل ما تخرج
رجع صوت الطرقات من أعماق الجبل.
ثلاث طرقات.
ثم ثلاث طرقات أخرى.
توقفت ليان.
وقالت بهدوء
دي مش علامة خطر.
سألها يوسف
أمال إيه؟
ابتسمت ليان وقالت
دي علامة إن حد تاني لسه عايش هنا تجمد الجميع مكانهم.
أحد رجال الإنقاذ قال
حد تاني؟!
ليان هزت رأسها.
طول التلات سنين كنت بسمع الطرقات دي.
يوسف قرب منها وقال
وأنا عمري ما سمعتها.
ردت ليان
لأنك كنت بتسمعها من بره الغرفة.
سألها أحد المستكشفين
يعني إيه؟
ليان أشارت إلى الجدار المقابل.
الصوت مش جاي من الممر اللي دخلنا منه.
ثم وضعت يدها على الصخر.
جاي من الناحية التانية.
بدأ رجال الإنقاذ يفحصون الجدار.
وبعد دقائق، اكتشفوا فتحة صغيرة مخفية خلف طبقة من الصخور.
أزالوا الحجارة واحدة تلو الأخرى.
ظهر ممر ضيق جدًا.
دخل أحد رجال الإنقاذ وهو يحمل الكشاف.
بعد عدة أمتار، صرخ
فيه غرفة هنا!
دخلوا خلفه.
كانت الغرفة أصغر من الغرفة التي عاشت فيها ليان.
وفي وسطها
كان هناك كرسي خشبي.
وفوق الكرسي جهاز تسجيل قديم.
وبجواره عشرات البومات الخشبية.
لكن المفاجأة كانت في الحائط.
كان عليه تاريخ مكتوب
1998
يوسف اقترب من الحائط وقال
ده تاريخ بداية المشروع القديم.
ليان نظرت إلى البومات الخشبية.
ثم قالت
لأ.
إيه؟
البومات دي جديدة.
أحد المستكشفين فحص واحدة منها.
كان الخشب لسه طريًا.
قال
دي اتعملت قريب.
ثم وجدوا ورقة صغيرة تحت الكرسي.
كانت مكتوبة بخط اليد
إلى ليان لو خرجتِ، لا تبحثي عني.
ليان حدقت في الورقة.
قالت
أنا عارفة الخط ده.
سألها يوسف
خط مين؟
رفعت رأسها ببطء.
خطي أنا.
ساد الصمت.
المستكشف قال
مستحيل.
ليان أخذت الورقة وقارنتها بدفترها.
كان الخط مطابقًا تمامًا.
لكن التاريخ الموجود أسفل الرسالة كان
بعد اختفائها بسنتين.
قال أحدهم
إزاي كتبتي رسالة وإنتِ كنتِ هنا؟
ليان لم تجد إجابة.
وفجأة، سمعوا صوت جهاز التسجيل.
اشتغل وحده.
خرج منه صوت ليان.
صوتها هي.
لكنها كانت بتتكلم بجملة لم تتذكر أنها قالتها
لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا خرجت من الغرفة وده معناه إن الوقت بدأ ينفد.
الجميع نظر إليها.
ثم أكمل التسجيل
متدوروش على الشخص اللي ساعدني.
توقف الصوت لثوانٍ.
ثم قالت ليان في التسجيل
دوروا على السبب اللي خلاني أحتاج مساعدته.
انتهى التسجيل.
ظل الجميع صامتين.
يوسف قال
لازم نخرج دلوقتي.
لكن ليان لم تتحرك.
كانت تنظر إلى نهاية الغرفة.
هناك كان يوجد باب صغير.
فتحته ببطء.
خلف الباب ظهر درج حجري ينزل إلى عمق الجبل.
قال أحد المستكشفين
إحنا مش عارفين الممر ده بيوصل لفين.
ليان نظرت إلى الدرج.
ثم قالت
أنا عارفة.
سألها يوسف
إنتِ نزلتي هنا قبل كده؟
هزت رأسها.
لأ.
ثم أشارت إلى الجدار.
كانت هناك علامة محفورة على أول درجة.
بومة.
وتحتها رقم
1096
اليوم التالي تمامًا بعد آخر يوم من السنوات الثلاث.
ليان همست
حد كان مستنيني أخرج.
ثم فجأة
وصل صوت من أسفل الدرج.
صوت رجل كبير في السن
ليان
تجمدت في مكانها.
الصوت تكرر
ليان لو سمعتي صوتي، متنزليش.
أحد رجال الإنقاذ قال
مين ده؟
ليان نظرت إلى يوسف.
يوسف كان شاحب الوجه.
قال
الصوت ده
ثم سكت.
إنت تعرفه؟
يوسف رد بصوت منخفض
ده صوت الدكتور سامح.
سأله المستكشف
مين الدكتور سامح؟
يوسف قال
رئيس الفريق اللي اختفى أثناء مشروع الكهف سنة 1998.
ثم عاد الصوت من أسفل الدرج
يوسف أنا عارف إنك موجود.
نظر يوسف إلى الجميع.
وكان واضحًا أن السر الحقيقي للكهف
لسه ما بدأش يظهر يوسف وقف مكانه، وكأنه سمع اسم شخص من الماضي لم يكن يريد أن يسمعه مرة أخرى.
قال أحد رجال الإنقاذ
مين الدكتور سامح؟
يوسف لم يرد فورًا.
ثم قال
كان رئيس بعثة علمية اختفت من المكان ده من 28 سنة.
ليان بصت له بدهشة
اختفت؟
أيوه. خمسة باحثين دخلوا الكهف سنة 1998، ومخرجوش.
أحد المستكشفين قال
بس لو كانوا ماتوا، كان المفروض نلاقي بقاياهم.
يوسف أشار إلى الدرج.
وده بالضبط اللي خلاني أرجع للمكان سنين طويلة.
بدأوا ينزلون بحذر.
كل درجة كانت أقدم من اللي