الشيخ الخليجي

لمحة نيوز

كان الشيخ الخليجي الشاب الوسيم رافض فكرة الجواز بشكل قاطع، لدرجة إن أسرته بقت حاسة إن مفيش أمل إنه يتجوز في يوم من الأيام. كل يوم كانوا يجيبوا له بنت من عيلة كبيرة، بنت ناس أصحاب نفوذ وفلوس، وجمالها يخطف العين، على أمل إنه يوافق على واحدة منهم وينهي حالة الرفض اللي عايش فيها من سنين. لكن الغريب إنه بمجرد ما يشوف البنت، ومن غير حتى ما يدي لنفسه فرصة إنه يتكلم معاها أو يعرف شخصيتها، كان بيبص لها بنظرة باردة ويقول كلمته المعتادة. مش مناسبة. وفي كل مرة كانت أمه تبص له پصدمة، وتحاول تتمالك أعصابها وهي بتسأله مش مناسبة إزاي يا ولدي؟ دي بنت ناس، وأبوها من أكبر رجال الأعمال، والبنت متربية وجميلة، وكل الناس بتتمنى ترتبط بعيلة زينا! إيه اللي إنت عايزه ومش لاقيه؟ كان يرد وهو بيعدل ساعته الفخمة في هدوء مستفز أنا مش بدور على اسم عيلة يا أمي، ولا على بنت تتباهوا بيها قدام الناس. ولما ألاقي اللي تناسبني، هعرف. فترد أمه بغيظ وإنت هتعرف إزاي وإنت أصلًا مش بتدي لأي بنت فرصة تتكلم؟ كان يسكت، وينهي النقاش بنفس الطريقة اللي اتعود عليها، لحد ما بقى البيت كله بيتعامل مع موضوع جوازه باعتباره أزمة مالهاش حل. ومع زيادة الضغط عليه، قرر إنه يبعد عن أجواء القصر الخليجي شوية، ويسافر مصر يقضي إجازة في قصره هناك، بعيد عن إلحاح أسرته وعن الزيارات اللي بقت بتتحول في كل مرة لتحقيق طويل عن أسباب رفضه للجواز. وصل مصر، واستقر في القصر الكبير اللي كان بيملكه، وقرر إنه يعيش فترة من غير مظاهر الثراء المعتادة، ولا حرس واقفين على الأبواب، ولا خدم بيتحركوا وراه في كل مكان. كان نفسه يحس إنه إنسان عادي، يقدر يقعد لوحده، ويطلب أكله بنفسه، ويخرج من غير ما كل اللي حواليه يحسّسوه إنه شخص مختلف عن باقي البشر. وفي مساء يوم، كان قاعد في الصالة الواسعة قدام التلفزيون، بيقلب في القنوات بملل، لحد ما بص ناحية السفرة اللي كانت متجهزة بعناية، لكنه بمجرد ما شاف الأكل اللي الطباخين محضرينه، زفر بضيق ورجع بضهره على الكنبة. هو مفيش غير الأكل ده كل يوم؟ دخل عليه مدير القصر، وانحنى باحترام قبل ما يرد تحت أمرك يا سيدي، أطلب لحضرتك أي حاجة تانية؟ بص له الشيخ بنفاد صبر وقال لأ، مش عايز حاجة من المطبخ. أنا زهقت من أكل الطباخين، وعايز أجرّب حاجة مختلفة. مد إيده لموبايله، وفتح أحد تطبيقات توصيل الطعام، وبدأ يقلب في المطاعم لحد ما اختار مطعم مصري بسيط، وطلب منه وجبة كان نفسه يجربها من فترة. مدير القصر بص له باستغراب. تحب أبلغ المطعم إن الطلب ييجي من الباب الخاص، يا سيدي؟ الشيخ رفع عينه من الموبايل وبص له بجدية. لأ. الطلب ييجي من البوابة الرئيسية، ومحدش يستقبل المندوب غيري. اتردد الرجل للحظة، ثم قال بس يا سيدي، ده مش من المعتاد إن حضرتك تستقبل حد بنفسك. ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة وقال وعشان كده بالذات هعمل كده. أنا في إجازة، وعايز أعيش زي أي شخص عادي، من غير ألقاب ولا تكليف. وبالفعل، بعد حوالي نص ساعة، سمع صوت جرس البوابة. قام بنفسه، ومشي في الممر الطويل لحد ما وصل للباب الخارجي، وفتحه بهدوء. كانت واقفة قدامه بنت شابة، لابسة خوذة توصيل، وشنطة الأكل على ضهرها، وفي إيدها كيس الطلب. ملامحها كانت مرهقة من الحر والمشاوير، لكن عينيها حلوين وكان فيهم هدوء غريب، وملامحها جميلة جدا لكن فيها بساطة تخلي اللي قدامها يحس إنه شافها قبل كده، حتى لو عمره ما قابلها. رفعت عينيها ناحيته وقالت بصوت واضح، رغم التعب اللي كان باين عليها مساء الخير يا فندم، طلب حضرتك من المطعم... ممكن تتأكد من الرقم قبل ما أعمل تسليم؟ الشيخ كان واقف قدامها، مستعد ياخد الكيس وينهي الموضوع في ثواني، لكنه أول ما شاف وشها، إيده اتجمدت في مكانها. فضل باصص لها كأنه نسي هو واقف عند الباب ليه أصلًا. البنت لاحظت سكوته، فبصت له باستغراب وقالت حضرتك سامعني؟ الطلب باسم مين؟ رمش بعينيه كأنه بيفوق من حاجة مش قادر يفسرها، وبعدين رد بصوت أوطى من المعتاد باسمي... أيوه، الطلب باسمي.
بقلم_الكاتبة_انجي_الخطيب
ناولته الكيس، لكنه ماخدوش فورًا، فاضطرت ترفعه ناحيته مرة تانية وقالت بنبرة فيها نفاد صبر بسيط اتفضل يا فندم، بس لو سمحت بسرعة، عشان ورايا طلبات تانية ولسه قدامي مشوار طويل. أخد الكيس أخيرًا، لكنه بدل ما يقفل الباب أو يشكرها، فضل واقف مكانه بيتأمل ملامحها. رفعت حاجبها باستغراب وقالت فيه حاجة يا فندم؟ الأكل ناقص حاجة؟ هز راسه ببطء. لأ... بس كنت عايز أسألك سؤال. ردت بحسم وهي بتعدل الشنطة على ضهرها لو بخصوص الطلب، حضرتك تقدر تكلم المطعم. أنا ماليش دعوة غير بالتوصيل. لأول مرة من سنين، لقى نفسه مش عارف يرد. البنت اللي قدامه ما كانتش بتحاول تتقرب منه، ولا بتبص على القصر بانبهار، ولا حتى مهتمة تعرف هو مين. كانت بتعامله باعتباره مجرد زبون، وده شيء ما اتعودش عليه. قال وهو بيحاول يحافظ على هدوئه اسمك إيه؟ بصت له باستغراب أكبر، وبعدين ردت إنت محتاج اسمي ليه؟ ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال مجرد سؤال. ردت ببرود وأنا مش مضطرة أجاوب على كل سؤال بيتسألي. عن إذنك يا فندم، أنا اتأخرت. لفت عشان تمشي، لكنه ناداها من غير ما يفكر استني! وقفت، وبصت له بنظرة حادة. أفندم؟ اتردد للحظة، وبعدين قال إنتِي بتشتغلي في التوصيل طول اليوم؟ ردت وهي بتبص في ساعتها أيوه، طول اليوم تقريبًا. عندك اعتراض؟ لأ، بس... قاطعته بنبرة ثابتة بص يا فندم، أنا مش فاضية للكلام، ولو حضرتك عندك مشكلة في الطلب، اتواصل مع المطعم. بعد اذنك . ومشت من غير ما تستنى رده. فضل واقف عند البوابة، عينه متعلقة بيها وهي بتبعد بموتوسيكل التوصيل بتاعها، لحد ما اختفت من آخر الشارع. رجع القصر، وقعد على الكنبة، وحط كيس الأكل على الترابيزة من غير ما يفتحه. كان لأول مرة من وقت طويل يحس إن في حاجة حصلت له ومش قادر يفسرها. هو الراجل اللي رفض عشرات البنات من أكبر العائلات، واللي عمره ما اهتم بواحدة أكتر من دقايق، ليه مش قادر ينسى نظرة بنت كل اللي عملته إنها سلمته طلب أكل؟ فتح الكيس أخيرًا، لكنه ما كانش شايف الأكل أصلًا. كل اللي كان بيفكر فيه هو وشها، وطريقتها، والثقة اللي اتكلمت بيها من غير ما تحاول ترضيه أو تكسب إعجابه. وفي اللحظة دي، دخل مدير القصر وهو شايل ملف، لكنه أول ما شاف الشيخ قاعد بالوضع ده، وقف باستغراب. خير يا سيدي؟ الأكل مش عاجب حضرتك؟ رفع الشيخ عينه له فجأة وسأله إنت تعرف حاجة عن شركات التوصيل اللي شغالة في المنطقة دي؟ مدير القصر عقد حاجبيه. شركات التوصيل؟ معرفش يا سيدي، بس دي حاجة سهلة نقدر نعملها حصر خير ؟ سكت الشيخ لحظة، وبعدين قال عايز أعرف مين البنت اللي جابت الطلب من شوية. الرجل بص له بدهشة واضحة، لأنه أول مرة يسمع منه طلب زي ده. حضرتك تقصد عاملة التوصيل؟ رد الشيخ بجدية أيوه، هي. عايز أعرف اسمها، وبتشتغل فين، وأي معلومات عنها. مدير القصر هز راسه باحترام، لكنه قبل ما يتحرك، الشيخ أضاف بنبرة حاسمة بس خلي بالك، مش عايز حد يضايقها أو يتدخل في حياتها. أنا عايز أعرف بس، من غير ما تحس إن حد بيراقبها. خرج الرجل، وفضل الشيخ لوحده، مش عارف هو بيعمل إيه بالضبط، ولا ليه لأول مرة في حياته يحس إنه محتاج يشوف شخص تاني مرة.
بقلم_الكاتبة_انجي_الخطيب
ماكملش عشر دقايق، وكان مدير القصر رجعله بالملف اللي طلبه، وحطه قدامه على الترابيزة وقال باحترام تحت أمرك يا سيدي، دي كل البيانات اللي قدرنا نوصل لها عن البنت اللي حضرتك طلبت تعرف معلومات عنها.
الشيخ الخليجي مد إيده للملف بسرعة، وهي حركة غريبة على شخصيته الهادية اللي عمرها ما كانت بتظهر أي اهتمام بحاجة بالشكل ده، وفتح أول صفحة. مريم عبد الرحمن... عندها أتنين وعشرين سنة، وعايشة في منطقة شعبية في القاهرة، وبتشتغل في شركة توصيل طلبات من حوالي سنتين. كرر اسمها بصوت واطي، كأنه بيحاول يحفظه جواه. مريم... رفع عينه للمدير وسأله هي عايشة لوحدها؟ الرجل اتردد قبل ما يرد حسب المعلومات المتاحة، لأ يا سيدي، عايشة مع والدها ووالدتها وأخوها الأصغر. والدها اسمه عبد الرحمن، وكان شغال في ورشة نجارة، لكن الورشة اتقفلت من فترة بسبب الديون. ومن وقتها بقى فيه مشاكل مادية كتير في البيت. الشيخ قلب صفحة تانية، وكل ما كان بيقرأ أكتر، ملامحه كانت بتتغير. وأمها؟ ربة منزل يا سيدي، وأخوها لسه في التعليم. الشيخ ساب الملف على الترابيزة وسند بضهره للكرسي، وعينيه فضلت ثابتة على الصورة الشخصية اللي كانت في الورق. كان فيه حاجة غريبة بتشده للبنت دي، حاجة مش قادر يفسرها، لكن اللي ضايقه أكتر إنه حس إنه عايز يعرف عنها أكتر من مجرد اسم وعنوان. قفل الملف فجأة، وقام من مكانه. مدير القصر استغرب وسأله فيه حاجة يا سيدي؟ الشيخ أخد مفاتيح عربيته من فوق الترابيزة وقال جهزلي العربية. اهلي الحرس يجهزوا يا سيدي ؟ الشيخ بص له بطرف عينه. لأ، أنا خارج لوحدي. لوحدك يا سيدي؟ طب على الأقل أبلغ السواق... قاطعه بحزم قلت لوحدي يا محمود. ومش عايز حد يعرف أنا رايح فين. محمود انحنى باحترام، 
الشيخ خرج من القصر، ركب عربيته بنفسه، وانطلق ناحية العنوان المكتوب في الملف. طول الطريق كان بيفكر في مريم، وفي طريقتها وهي بتكلمه من غير خوف ولا تردد، وكأنها مش شايفة قدامها راجل يقدر يشتري شارع كامل لو حب، لكنها شايفة مجرد زبون مستعجل على طلب أكله. ولأول مرة من سنين، ماكانش عارف هو عايز إيه بالضبط. كل اللي كان عارفه إنه لازم يشوفها تاني. بعد حوالي ساعة، وصل للمنطقة اللي مريم ساكنة فيها. الشوارع كانت ضيقة، والمحلات الصغيرة على الجانبين، وصوت البياعين مختلط بصوت الأطفال اللي بيلعبوا قدام البيوت، والريحة المميزة للأكل المصري طالعة من الشبابيك المفتوحة. الشيخ ركن عربيته بعيد شوية عن البيت،
ونزل وهو بيبص حواليه باستغراب. كان المكان مختلف تمامًا عن العالم اللي اتعود يعيش فيه، لكن الغريب إنه ماحسش بالنفور منه، بالعكس، حس إن فيه حياة حقيقية هنا، حياة بعيدة عن الرسميات والوجوه اللي بتبتسم له لمجرد إنه شيخ من عيلة كبيرة. فتح موبايله وبص على العنوان مرة أخيرة، وبعدها مشي لحد ما وصل للبيت المقصود. كان بيت بسيط في عمارة قديمة،
وقف قدام الباب، ومد إيده عشان يخبط. لكن قبل ما صوابعه تلمس الخشب، سمع صوت صړخة جاية من جوه. حرام عليك بقى! أنا عملتلك إيه عشان تعمل فيا كده؟! الشبخ إيده اتجمدت في الهوا. وبعدها سمع صوت راجل غاضب، وصوت حاجة بتتكسر على الأرض. اخرسي! إنتي مش هتعلميني أعمل إيه في بيتي! وجاله صوت تكسير تاني، المرة دي أقوى، وبعده صوت مريم وهي بتصرخ ابعد عني! بقولك ابعد عني! ملامح الشيخ اتبدلت في لحظة. الهدوء اللي كان مسيطر عليه طول الطريق اختفى، وحل مكانه ڠضب بارد، من النوع اللي بيخلي اللي قدامه يعيد حساباته قبل ما ينطق بكلمة. قرب من الباب، وسمع صوت الراجل بيزعق بعدها سمع صوت خبطة عڼيفة اتسمع، وبعدها صوت شهقة مكتومة.
الشيخ حس إن الډم اندفع في عروقه. كان ممكن يخبط وينتظر حد يفتح له، أو يرجع يتصل بالشرطة، أو حتى يطلب مساعدة من حد في المنطقة. او يتصل بالحرس بتاعة لكن القرار اللي خدة كانت عواقبة اكبر من اللي الشيخ عملة في لحظة اندفاع لما سمع صوت مريم وهي بتستغيث
انجي_الخطيب
الشيخ الخليجي ما استناش ثانية واحدة بعد ما سمع صوت مريم وهي بتستغيث، ومد إيده لمقبض الباب وخبط عليه پعنف لدرجة إن صوت الخبط دوّى في الشقة كلها. افتح الباب حالًا! الصوت اللي جاي من جوه سكت للحظة، وبعدها الراجل صړخ پغضب مين اللي بيخبط بالطريقة دي؟ غور من هنا بدل ما أطلعلك! الشيخ قرب من الباب أكتر، وقال بنبرة هادية بشكل مخيف أنا مش هكرر كلامي تاني... افتح الباب. جاله صوت خطوات متلخبطة، وبعد ثواني الباب اتفتح پعنف، وظهر قدامه راجل في أواخر الأربعينات، جسمه ضخم نسبيًا، ووشه أحمر من العصبية، وفي إيده حزام جلدي كان لسه رافعه من شوية. الراجل بص للشيخ من فوق لتحت، واستغرب من شكله الخليجي ولبسه الأنيق، لكنه حاول يخفي ارتباكه وقال إنت مين؟ وعايز إيه؟ الشيخ ما ردش على سؤاله، لكن عينه عدّت من فوق كتفه لجوه الشقة، وهناك شاف مريم واقفة جنب الحيطة، حاطة إيديها على وشها، وشعرها منكوش، ودموعها نازلة على خدودها، وفي إيدها التانية ماسكة دراعها كأنها بتحاول تحمي نفسها من ضړبة جديدة. أول ما عينيها وقعت عليه، اتجمدت مكانها. إنت؟! قالتها بصوت مخڼوق، مش قادرة تستوعب إزاي الزبون اللي سلمته طلب الأكل من شوية واقف دلوقتي على باب بيتها. الراجل لف ناحيتها وقال بعصبية إنتي تعرفيه يا بت؟ مريم ما ردتش، لأنها كانت لسه بتحاول تستوعب اللي بيحصل، لكن الشيخ دخل خطوة لجوه، وقال بصرامة إيدك اللي بترفعها عليها دي، لو اتمدت تاني، هتتحاسب عليها. الراجل ضحك ضحكة مستفزة، ورفع دقنه بتحدي. وإنت مين بقى عشان تحاسبني؟ دي بنتي، وأنا حر فيها! الشيخ بص له نظرة خلت ضحكته تختفي بالتدريج، وقال كونها بنتك مش معناه إنها ملكك، ولا إنك تقدر تضربها وتكسر كرامتها زي ما إنت عايز. الراجل قرب منه خطوة وقال اسمع يا خواجة، إنت شكلك غريب عن المنطقة دي، وأنا مش ناقص ۏجع دماغ. اطلع بره بيتي، وإلا هخليك ټندم على اليوم اللي جيت فيه هنا. الشيخ ما اتحركش، بالعكس، خلع ساعته الفخمة وحطها في جيبه، وبعدها فك أزرار كم قميصه بهدوء. مريم، رغم خۏفها، رفعت عينيها له بقلق وقالت لو سمحت، امشي... إنت مش عارف هو ممكن يعمل إيه. بصلها الشيخ للحظة، وشاف في عينيها خوف مش عليه لوحده، لكن عليه من الراجل اللي قدامهم، وكأنها رغم كل اللي اتعرضت له لسه مش عايزة حد يتأذى بسببها. رد عليها من غير ما يبعد عينيه عن الراجل أنا مش همشي وأسيبك بالشكل ده. الراجل اڼفجر في الضحك، وبعدها مد إيده يمسك الشيخ من ياقة قميصه. إنت شكلك محتاج حد يفهمك مقامك! لكن قبل ما صوابعه توصل للقماش، الشيخ مسك معصمه وثبته في مكانه، وبحركة سريعة أبعد إيده عنه. إوعى تلمسني. الراجل اتفاجئ بقوته، وحاول يضربه بإيده التانية، لكن الشيخ تفادى الضړبة، ودفعه بعيد عنه لدرجة إنه خبط في الترابيزة الصغيرة اللي جنب الباب، فوقعت منها كوباية واتكسرت على الأرض. مريم صړخت بابا، خلاص! كفاية! لكن الراجل كان فقد أعصابه، ومد إيده ناحية الشيخ تاني، فالشيخ دفعه بعيد عنه، وقال بصوت هز الشقة أنا حذرتك! الراجل اتراجع وهو بيفرك معصمه، وبص له بكره شديد. إنت فاكر نفسك مين؟! الشيخ قرب منه، لكن المرة دي ما رفعش إيده عليه، وقال واحد مش هيسمحلك تكمل اللي بتعمله. ولو حاولت تقرب منها تاني، هبلغ الشرطة بكل اللي حصل، وهتتحاسب بالقانون. الراجل بص لمريم، وبعدين رجع بص للشيخ، وقال بسخرية الشرطة؟! إنت فاكر إنك أول واحد يهددني؟ دي بنتي، وهتفضل تحت رحمتي طول ما هي عايشة في بيتي! مريم نزلت إيديها من على وشها، وقالت بصوت مرتعش، لكن فيه ڠضب متراكم من سنين أنا مش تحت رحمتك يا بابا... أنا بنتك، وكنت نفسي تبقى سند ليا، مش أكتر واحد أخاف منه في الدنيا. الكلمات نزلت على الشقة زي الصاعقة. عبد الرحمن، اللي كان واقف في آخر الصالة، حاول يتدخل بعد ما خرج من الأوضة على صوت الخناقة، لكنه وقف مكانه لما شاف المشهد. كان راجل نحيف، وشه شاحب، وعينيه مليانة عجز وانكسار. مريم... إنتي كويسة يا بنتي؟ مريم بصت لأبوها، ودموعها زادت، لكنها ما ردتش. الشيخ لاحظ إن الراجل ده مش هو اللي كان بيضربها، وإنه واقف كأنه شايل على كتفه جبل من الهموم، لكن قبل ما يسأله، والد مريم قال بصوت مكسور أنا آسف يا بنتي... والله آسف. الراجل اللي كان بيضربها لف ناحيته وصاح إنت كمان هتفتح بوقك؟ ما إنت السبب في كل اللي إحنا فيه! دي الديون اللي غرقتنا، والورشة اللي ضاعت، والبيت اللي هيتاخد مننا، وكل ده بسببك! عبد الرحمن نزل عينيه للأرض، كأن كل كلمة بتتقال بتثبت جواه حكم هو أصلًا أصدره على نفسه من زمان. لكن الشيخ وقف بينه وبين مريم، وقال بحدة المشاكل المادية مش مبرر للعڼف، والديون مش تصريح إنك تهين أهل بيتك. الراجل بص له باحتقار، وبعدها أشار ناحية الباب. بره! مش عايز أشوف وشك هنا تاني! الشيخ طلع موبايله واتصل برقم الطوارئ، وبلغ عن اعتداء داخل المنزل، وطلب حضور الشرطة والإسعاف عشان يفحصوا إصابة مريم. الراجل أول ما سمع كلمة شرطة، اتغيرت ملامحه، وبدأ يتكلم بسرعة إنت بتعمل إيه يا مچنون؟ اقفل التليفون! دي خناقة عائلية، وملهاش دعوة بحد! الشيخ أنهى المكالمة، وحط الموبايل في جيبه، ورد ببرود كان عندك فرصة توقف، وإنت اخترت تكمل. عبد الرحمن قرب من بنته بحذر، وقال تعالي يا مريم، اقعدي شوية. لكن مريم هزت راسها، وفضلت واقفة مكانها، وعينيها على الشيخ. إنت جيت هنا ليه؟ السؤال كان بسيط، لكن الشيخ حس إنه لازم يجاوبها بصدق. كنت عايز أشوفك. مريم بصت له بذهول، وبعدها ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة. تشوفني؟! إنت تعرفني من إمتى عشان تيجي لحد بيتي؟ إنت حتى متعرفش عني غير اسمي اللي قريته على الطلب! الشيخ سكت. كان عندها حق. هو تصرف بدافع فضوله وانجذابه الغريب ليها، من غير ما يفكر في إحساسها أو في حقها إنها تختار مين يدخل حياتها ومين يفضل بعيد عنها. مريم مسحت دموعها بطرف كمها، وقالت بوضوح أنا مش محتاجة حد ييجي ينقذني عشان بعد كده يحسسني إني مدينة له بحاجة. أنا بشتغل وبصرف على نفسي، وبحاول أحل مشاكلي بنفسي. ولو حضرتك فاكر إن عشان عندك فلوس تقدر تدخل حياة الناس بالشكل ده، فأنت غلطان. الشيخ حس إن كلامها وجعه، مش لأنها أهانته، لكن لأنها حطت قدامه حقيقة ما كانش شايفها. قال بهدوء أنا مش مستني منك حاجة، ولا ليكي عندي أي دين. وأنا آسف إني جيت من غير إذنك. بس لما سمعت صوتك بتستغيثي، مقدرتش أمشي. مريم بصت له طويلًا، وبعدها قالت كان ممكن تطلب الشرطة من بره، من غير ما تدخل نفسك في خناقة. كان ممكن، اعترف بصراحة، ويمكن ده كان التصرف الأصح. بس في اللحظة دي، خفت إن حد يتأذى قبل ما حد يوصل. لأول مرة، مريم ما لقتش رد سريع. مش لأنها سامحته، لكن لأنها شافت في عينيه إنه مش بيحاول يطلع نفسه بطل، ولا بيطلب منها تشكره. وفجأة، صوت صفارة الشرطة قطع الصمت اللي مالي الشقة. الراجل اتوتر، وبدأ يلف في المكان بعصبية، وبعدين قرب من مريم وهمس بټهديد لو فتحتي بوقك بكلمة، هتشوفي أيام سودا. الشيخ سمعه، فوقف قدامه فورًا وقال الټهديد ده كمان هيتسجل عليك. وبعد لحظات، دخل ضابط ومعاه فردين من الشرطة، وبدأوا يسألوا عن اللي حصل. الشيخ حكى اللي سمعه وشافه من أول لحظة، ومريم، بعد تردد طويل، قررت تحكي الحقيقة كاملة. ما كانتش المرة الأولى اللي والدها يعتدي عليها فيها، لكن كانت أول مرة حد يقف قدامه وما يطلبش منها تسكت عشان خاطر العيلة. ولما الضابط سألها إذا كانت عايزة تعمل محضر رسمي، مريم بصت لأبوها، وبعدين لأخوها الصغير كريم اللي كان واقف عند باب الأوضة وبيعيط في صمت. افتكرت كل مرة كانت بتخبي فيها الكدمات تحت هدومها، وكل مرة كانت بتخرج للشغل وتضحك في وش الناس وهي من جواها پتنهار، وكل مرة كانت بتقنع نفسها إن بكرة يمكن يكون أحسن. رفعت راسها أخيرًا وقالت أيوه يا فندم... عايزة أعمل محضر. عبد الرحمن غمض عينيه پألم، لكن ما اعترضش. والشيخ، لأول مرة من ساعة ما دخل الشقة، حس إن مريم بدأت تستعيد جزءًا من قوتها، وإنه مهما كان اللي هيحصل بعد كده، القرار ده لازم يفضل قرارها هي.
بعد ما الشرطة خدت أقوال الموجودين، الضابط طلب من مريم تروح المستشفى عشان تتكشف على إصابتها، لكنها بصت لأخوها كريم اللي كان واقف جنب الحيطة ورافض يسيبها، وقالت
بتردد طب وأخويا يا فندم؟ أنا مش هقدر أسيبه هنا لوحده. الضابط رد بهدوء أخوكي يقدر ييجي معاكي، ومامتك موجودة فين؟ مريم نزلت عينيها وقالت ماما عند خالتي من الصبح، كانت رايحة تساعدها عشان تعبانة. عبد الرحمن قرب منها، ومد إيده كأنه عايز يطبطب عليها، لكنه وقف قبل ما يلمسها، وكأنه أخيرًا بدأ يستوعب إن بنته بقت پتخاف من أي حركة مفاجئة. أنا هاجي معاكي يا بنتي. مريم بصت له بعينين مليانين ۏجع. خليك مع كريم يا بابا، هو محتاجك أكتر مني دلوقتي. عبد الرحمن اتكسر من جوه، لأنه فهم إن بنته مش بترفض وجوده لمجرد الڠضب، لكنها وصلت لمرحلة بقت مش عارفة تثق فيه، حتى وهو بيحاول يصلح اللي اتكسر. الشيخ الخليجي كان واقف على جنب، ساكت، ومش عارف يتدخل ولا يسيبهم يتعاملوا مع الموقف بنفسهم. هو طول عمره متعود إن أي مشكلة قدامه تتحل بقرار واحد، وإن الناس تتحرك بمجرد ما يتكلم، لكن مريم كانت مختلفة. دي بنت لو عرض عليها إنه يحل كل مشاكلها في ثانية، ممكن ترفض لمجرد إنها مش عايزة تحس إنها فقدت استقلالها. ولما فرد الشرطة قرب منها عشان يساعدها تنزل السلم، لاحظ الشيخ إنها بتعرج بشكل بسيط، فاتقدم خطوة وقال لو تسمحي، أقدر أوصلك للمستشفى. مريم رفعت عينيها له وقالت بوضوح شكرًا، بس أنا هروح مع الشرطة. هز راسه فورًا. تمام. ما حاولش يقنعها، ولا سألها ليه، ولا استغل خۏفها عشان يفرض نفسه عليها. ولما خرجت من الشقة، فضّل واقف مكانه لحد ما شافها تركب عربية الشرطة، وبعدها نزل السلم وخرج للشارع. كان الليل بدأ ينزل، والناس في المنطقة اتجمعت قدام العمارة، وكل واحد بيحاول يعرف إيه اللي حصل. الشيخ تجاهل النظرات والأسئلة، وراح لعربيته، لكنه قبل ما يفتح الباب سمع صوت عبد الرحمن بينادي عليه. يا أستاذ... استنى لو سمحت. لف ناحيته، فلقاه واقف قدامه، وشه شاحب وعينيه مليانة دموع مكبوتة. أنا عارف إن اللي حصل النهارده ملوش أي تبرير، وعارف إنك شفت مننا حاجة ما تتشافش. بس أنا... أنا مش عارف أشكرك إزاي على اللي عملته مع بنتي. الشيخ بص له بهدوء وقال متشكرنيش. المهم إن مريم تبقى بخير. عبد الرحمن بلع ريقه بصعوبة، وبعدين قال أنا عارف إنك غريب عننا، بس ممكن أسألك سؤال؟ اتفضل. إنت تعرف مريم منين؟ الشيخ سكت لحظة، وبعدين قرر ما يكذبش. هي جابتلي طلب أكل النهارده، وكنت عايز أشوفها تاني، فعرفت عنوانها وجيت. ملامح عبد الرحمن اتغيرت، وبص له باستغراب شديد. يعني إنت جيت مخصوص عشان بنتي؟ أيوه. عبد الرحمن بص ناحية العمارة، وبعدها رجع له وقال بصوت منخفض يا ابني، مريم مش ناقصة ۏجع قلب. هي شايلة فوق طاقتها بكتير،

تم نسخ الرابط