الشيخ الخليجي
المحتويات
وكل اللي حصل النهارده كفاية عليها. الكلمة الأخيرة وقفت الشيخ مكانه. يا ابني. كان عبد الرحمن بيتكلم معاه كأنه شاب عادي، مش شيخ من أسرة خليجية كبيرة، ولا رجل أعمال يقدر بكلمة منه يغير مصير ناس كتير. وده بالضبط اللي كان بيدور عليه طول الوقت من غير ما يعرف. لكن قبل ما يرد، عبد الرحمن كمل لو نيتك خير، سيبها تاخد نفسها الأول. البنت دي طول عمرها پتخاف من إنها تبقى عبء على حد، حتى وهي اللي شايلة البيت كله على كتفها. الشيخ حس إن الراجل قدامه بيحذره، وفي نفس الوقت بيطلب منه حاجة صعبة. إنه يبعد. مع إنه لأول مرة في حياته مش عايز يبعد. قال أخيرًا أنا مش هضغط عليها، ولا هطلب منها أي حاجة. وصدقني، لو لقيت إن وجودي في حياتها ممكن يضرها، هبعد من غير ما أسبب لها أي مشكلة. عبد الرحمن هز راسه بحزن، وبعدها رجع للعمارة. أما الشيخ، فركب عربيته وانطلق ناحية القصر، لكن الطريق اللي كان قطعه في ساعة تقريبًا وهو رايح، حس إنه أطول بكتير وهو راجع. لما وصل، كان محمود مدير القصر واقف عند المدخل، وأول ما شافه قرب بسرعة. حمد لله على السلامة يا سيدي. أنا كنت قلقان على حضرتك، خصوصًا إنك خرجت من غير حراسة، ومشيت من غير ما تقول هتروح فين. الشيخ نزل من العربية، واداله المفاتيح وقال محمود، من بكرة عايزك توقف موضوع البحث عن الناس بالشكل ده. اللي حصل النهارده خلاني أفهم إن مش كل حاجة ينفع أعرفها لمجرد إني عايز أعرفها. محمود بص له بدهشة. حاضر يا سيدي، بس هل فيه مشكلة حصلت؟ الشيخ مشي ناحية القصر وقال فيه حاجات كتير محتاجة تتصلح، وأولها إني أتعلم أسيب الناس تختار بنفسها. دخل أوضته، وبدل هدومه، وبعدها قعد قدام الشباك الكبير اللي بيطل على الحديقة. قدامه كانت كل مظاهر الرفاهية اللي أي إنسان ممكن يحلم بيها، لكن لأول مرة حس إن المكان واسع زيادة عن اللزوم، وإن الهدوء اللي كان بيطلبه طول عمره ممكن يتحول لوحدة تخنق. طلع موبايله، فتح التطبيق اللي طلب منه الأكل، وبص على تفاصيل الطلب، وبعدها قفله من غير ما يعمل أي حاجة. ما كانش عايز يكلمها من خلال الشركة، ولا يطلب رقمها، ولا يبعت لها هدية. كان عارف إنها لو اكتشفت إنه حاول يوصل لها من وراها مرة تانية، هتعتبر ده تجاوزًا جديدًا لحدودها. حط الموبايل على الترابيزة، وقال لنفسه لو عايزها تعرفني، لازم أديها فرصة تختار تعرفني ولا لأ. وفي نفس الوقت، كانت مريم قاعدة في المستشفى، والدكتور بيكشف على دراعها ووشها، وكريم قاعد جنبها ماسك إيديها بكل قوته. بعد ما الدكتور خلص، قال لها إن عندها كدمات محتاجة متابعة، وإن الأفضل ترتاح وتبعد عن أي احتكاك ممكن يعرضها لإصابة جديدة. مريم هزت راسها، لكن عقلها كان في مكان تاني. كانت بتفكر في الراجل الغريب اللي دخل حياتها في يوم واحد، وشافته في موقف ما كانتش تتخيل إن حد ممكن يتدخل فيه بالشجاعة دي. لكنها كانت بتفكر كمان في حاجة تانية. هو ليه جه؟ هل فعلًا كان مجرد فضول؟ ولا فيه سبب تاني هي مش فاهمه؟ كريم قطع تفكيرها وهو بيقول مريم، هو الراجل ده مين؟ بصت له باستغراب. أنهي راجل؟ اللي دخل علينا. اللي وقف قدام بابا. مريم سكتت لحظة، وبعدها قالت زبون من الشغل. كريم فتح عينيه. زبون؟ يعني إنتي متعرفيهوش؟ لأ. طب إزاي جه لحد عندنا؟ مريم تنهدت وقالت مش عارفة يا كريم، بس مش عايزة أفكر في الموضوع دلوقتي. كريم سكت شوية، وبعدها قال بصوت خاڤت أنا كنت خاېف عليكي أوي. مريم شدته لحضنها، رغم الألم اللي حست بيه في دراعها. أنا آسفة إنك شفت كل ده يا حبيبي. كريم عيط وهو بيقول أنا مش عايزك ترجعي البيت لو بابا هيفضل يعمل كده. أنا كبرت يا مريم، وهشتغل وأساعدك. مريم بعدته عنها وبصت في عينيه بجدية. إنت هتذاكر وتنجح وتدخل الكلية اللي بتحلم بيها، ودي مسؤوليتك دلوقتي. مش هسمح إنك تضيع مستقبلك عشان مشاكل الكبار. بس إنتي بتتعبي لوحدك! ابتسمت بحزن. يمكن أكون تعبت كتير، بس ده مش معناه إني هفضل تعبانة طول عمري. في اللحظة دي، موبايلها رن، وكان رقم أمها. ردت بسرعة. ألو يا ماما. جالها صوت أمها القلقان مريم، إنتي فين يا بنتي؟ أبوكي كلمني وقال إن فيه مشكلة كبيرة حصلت، وإن الشرطة جت البيت! إيه اللي حصل؟ مريم غمضت عينيها، وحاولت تتحكم في صوتها. أنا في المستشفى يا ماما. الأم شهقت. المستشفى؟! إنتي مالك؟ جرالك إيه؟ مريم سكتت ثواني، وبعدها قالت بابا ضړبني يا ماما. الصمت اللي جه بعدها كان أطول من أي كلام. وبعدين سمعت صوت أمها وهي بټعيط. يا بنتي... يا حبيبتي... أنا جاية حالًا. بعد أقل من ساعة، وصلت الأم، وأول ما شافت الكدمات على وش بنتها، حطت إيديها على بقها واڼهارت في العياط. أنا آسفة يا مريم، سامحيني يا بنتي. مريم بصت لها بتعب. إنتي بتعتذري عن إيه يا ماما؟ الأم مسكت إيديها وقالت عشان كل مرة كنت بقولك استحملي، وعشان كنت بخاف من خړاب البيت أكتر ما بخاف على وجعك. كنت فاكرة إن السكوت هيعدي المشاكل، لكن أنا كده كنت بسيبك تواجهِيها لوحدك. مريم دموعها نزلت من غير ما تحس. أنا مش زعلانة منك يا ماما. أنا بس تعبت. الأم ضمتها لحضنها وقالت مش هسيبك تاني لوحدك. مهما حصل. في اللحظة دي، مريم حسّت لأول مرة إن فيه حد من أهلها بدأ يفهمها فعلًا، مش بس بيطلب منها تتحمل. لكن اللي ما كانتش تعرفه إن اللي حصل النهارده كان مجرد بداية لسلسلة أحداث هتغير حياتها وحياة الشيخ الخليجي بشكل ما كانش أي واحد فيهم يتوقعه. في صباح اليوم التالي، الشيخ الخليجي نزل من أوضته بدري، وطلب من محمود يحضر له فطار بسيط. محمود استغرب. حضرتك مش هتفطر في الصالة الكبيرة زي كل يوم؟ لأ، عايز أفطر هنا في الحديقة. وبعد شوية، وهو قاعد على الترابيزة الصغيرة تحت شجرة الياسمين، سمع صوت محمود بيتكلم في الموبايل عند مدخل القصر. أيوه، الشركة أكدت إن المندوبة مش هتقدر تيجي النهارده... لا، أنا مش عارف التفاصيل، بس ده اللي اتقال. الشيخ رفع عينه. مين اللي مش هيقدر ييجي؟ محمود أنهى المكالمة وقال دي شركة التوصيل اللي حضرتك طلبت منها امبارح، يا سيدي. أنا كنت بطلب منهم نوقف الطلبات اللي بتيجي للقصر مؤقتًا لحد ما نرتب التعامل مع شركة تانية. الشيخ حط الفنجان على الترابيزة. ليه طلبت منهم يوقفوا التعامل؟ محمود ارتبك. أنا افتكرت إن حضرتك مش عايز حد يعرف إنك بتطلب أكل من بره، فقلت أغير الشركة وأخلص الموضوع. الشيخ اتنهد. أنا مش عايز أغير الشركة، ولا عايز حد يتضرر بسببي. رجع التعامل زي ما كان، ومن فضلك ما تتصرفش في أي حاجة تخصني من غير ما ترجعلي. حاضر يا سيدي. محمود سكت لحظة، وبعدها قال على فكرة، أنا سمعت إن فيه مشكلة حصلت في المنطقة اللي حضرتك رحتها امبارح. الشيخ بص له بحدة. إنت عرفت منين؟ أنا ما دورتش ورا حضرتك، والله. بس فيه حد من العاملين في القصر ساكن قريب من هناك، وقال إن الشرطة خدت راجل من العمارة بسبب اعتداء على بنته. الشيخ رجع بضهره للكرسي، وسأل والبنت أخبارها إيه؟ معرفش يا سيدي.
الشيخ سكت، وحاول يقنع نفسه إنه لازم يسيب مريم في حالها. لكن بعد دقايق، فتح موبايله وبص على صفحة المطعم اللي طلب منه الأكل، وفكر إنه ممكن يطلب وجبة تانية، وتيجي مع أي مندوب من الشركة. وبعدين وقف نفسه. لأ... مش هستخدم الشغل عشان أشوفها. قفل الموبايل، وقرر يخرج يتمشى شوية في المنطقة التجارية القريبة من القصر. كان محتاج يبعد عن أفكاره، لكن القدر كان له رأي تاني. على الناحية التانية من القاهرة، كانت مريم رجعت البيت بعد ما خلصت إجراءات المحضر، وقررت تقعد يومين ترتاح قبل ما ترجع الشغل. أمها كانت بتحضر الغدا، وكريم بيذاكر في الأوضة، وعبد الرحمن قاعد في الصالة ساكت من ساعة ما رجع. مريم خرجت من أوضتها، ولقته ماسك صورة قديمة ليهم كلهم، يوم ما كانت الورشة لسه شغالة، وكانوا واقفين قدامها بيضحكوا. قعدت بعيد عنه شوية. عبد الرحمن رفع عينه وقال فاكرة اليوم ده؟ مريم بصت للصورة. أيوه. كنت لسه في ثانوي، وكريم كان صغير. عبد الرحمن ابتسم ابتسامة حزينة. ساعتها كنت فاكر إني هقدر أوفرلكم كل حاجة. بيت كويس، وتعليم، وحياة من غير ما تحتاجوا حد. مريم فضلت ساكتة. لما الورشة اتقفلت، حسيت إني فقدت كل حاجة. بقيت شايف نفسي راجل فاشل، وكل ما حد يكلمني عن الديون أو يطالبني بفلوس، كنت برجع البيت ڠضبان. بدل ما أواجه غلطاتي، كنت بطلع ڠضبي عليكي وعلى أمك. مريم بصت له وقالت وده كان اختيارك يا بابا. إحنا ما طلبناش منك تبقى غني، إحنا كنا محتاجينك بس. عبد الرحمن نزل راسه. عارف. ومفيش كلمة هتقدر تصلح اللي عملته. سكت شوية، وبعدها كمل أنا مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. بس هحاول أكون أب تستحقيه، حتى لو أخد مني ده سنين. مريم ما ردتش، لكنها لأول مرة ما قامتش ومشيت. فضلت قاعدة معاه، وده كان كل اللي يقدروا عليه في اللحظة دي. بعد يومين، رجعت مريم للشغل، رغم إن أمها كانت بتحاول تقنعها ترتاح أكتر. يا بنتي، لسه وشك فيه كدمات. مريم ابتسمت وقالت هتخف يا ماما. وأنا مش هسيب شغلي، عشان مش عايزة أي حاجة توقف حياتي. لبست خوذتها، وجهزت شنطة التوصيل الكبيرة، وخرجت. كانت بتتحرك بحذر بسبب الۏجع اللي لسه في دراعها، لكن إصرارها كان أقوى من تعبها. في نفس اليوم، كان الشيخ الخليجي خارج من اجتماع طويل مع أحد رجال الأعمال المصريين، ولما خلص، قرر يتمشى في شارع جانبي بدل ما يرجع للقصر على طول. وأثناء ما كان بيعدي قدام محل أدوات منزلية، لمح بنت واقفة على الرصيف بتحاول ترفع شنطة التوصيل على ضهرها، لكنها كانت بتتألم من حركة دراعها. وقف مكانه. كانت مريم. فضل ثواني يبصلها من بعيد، وبعدين أخد قرار إنه ما يقربش منها. لكن في اللحظة دي، الشنطة مالت من على كتفها، وكادت تقع على الأرض. واحد من المارة حاول يساعدها، لكنه شد الشنطة بطريقة مفاجئة، فمريم اتألمت وصړخت. الشيخ اتحرك تلقائيًا، لكنه وقف قبل ما يوصل لها، لما سمعها بتقول للرجل لو سمحت، سيب الشنطة. أنا أقدر أشيلها بنفسي. الرجل سابها ومشي وهو بيتمتم، ومريم عدلت الشنطة على كتفها، وبعدها رفعت عينيها فجأة. وشافته. اتغيرت ملامحها، وقالت بدهشة إنت تاني؟! الشيخ وقف على مسافة مناسبة، وقال واضح إن القاهرة صغيرة. مريم بصت له بشك. إنت بتراقبني؟ السؤال جه مباشر لدرجة إنه ما قدرش يلف ويدور. هز راسه وقال لأ. أنا كنت خارج من اجتماع، وشوفتك بالصدفة. ولو وجودي هنا مضايقك، همشي حالًا. مريم فضلت باصة له، كأنها بتحاول تعرف إذا كان بيقول الحقيقة. وبعدين قالت أنا مش بحب حد يتدخل في حياتي من غير إذني. عندك حق. ومش بحب أحس إن حد فاكر إنه لازم ينقذني كل ما يشوفني. الشيخ هز راسه. وأنا مش عايزك تحسي بكده. سكت لحظة، وبعدها أشار ناحية الشنطة. بس واضح إن دراعك لسه بيوجعك. مريم بصت لدراعها، وبعدها قالت شوية. طب ليه رجعتي الشغل بدري؟ رفعت عينيها له بحدة. ده سؤال شخصي. الشيخ ابتسم ابتسامة صغيرة. معاكي حق. آسف. كان رد فعله مختلف عن كل اللي توقعته، وده خلى مريم تتردد للحظة. هي متعودة إن أي حد عنده فلوس أو نفوذ بيعتبر إن الناس لازم تجاوبه، لكن الراجل ده كل ما كانت تحط قدامه حد، كان يقف عنده. ومع ذلك، ما كانتش مستعدة تثق فيه. قالت وهي بتعدل الخوذة عن إذنك، عندي طلبات لازم أسلمها. اتفضلي. مريم ركبت الموتوسيكل، وقبل ما تتحرك، بصت له مرة أخيرة. وبالمناسبة، أنا مش زعلانة إنك تدخلت يومها. أنا زعلانة إنك جيت لحد بيتي من غير ما تستأذن. فيه فرق. الشيخ استوعب كلامها، ورد بجدية وصلت. مريم اتحركت، وفضل هو واقف مكانه، لكن المرة دي ما حسش بالإحباط. بالعكس، حس إن دي أول مرة في حياته يتعلم إزاي يتعامل مع حد من غير ما يحاول يسيطر على الموقف. رجع القصر في المساء، ولما دخل، لقى مكالمة فائتة من أمه. اتصل بيها فورًا. مساء الخير يا أمي. جاله صوتها القلقان مساء النور يا حبيبي. إنت مختفي بقالك أيام، ومش بترد على مكالماتي غير بعد ساعات. فيك إيه؟ الشيخ قعد على الكنبة وقال مفيش حاجة يا أمي، أنا بس محتاج أرتاح شوية. الأم سكتت، وبعدها قالت بنبرة ماكرة هو إنت في مصر فعلًا عشان ترتاح، ولا عشان فيه حاجة تانية؟ ابتسم رغمًا عنه. إنتي بتفكري في إيه؟ أنا أمك يا حبيبي، وعارفاك. إنت لو كنت مرتاح فعلًا، كنت رديت عليا من أول رنة. إنت عمرك ما كنت بتتهرب من الكلام معايا إلا لما تكون مخبي حاجة. الشيخ تنهد. يا أمي، أنا لسه مش فاهم اللي بيحصل جوايا. الأم سكتت للحظة، وبعدين قالت فيه واحدة؟ هو ما ردش. الأم شهقت بفرحة. يا نهار أبيض! فيه واحدة فعلًا! ضحك وقال يا أمي، اهدي. أنا ما قلتش حاجة. سكوتك قال كل حاجة. اسمها إيه؟ من عيلة مين؟ وإنت ناوي تعمل إيه؟ الشيخ رجع بضهره وقال اسمها مريم. بنت مصرية بسيطة، بتشتغل في توصيل الطلبات. الصمت اللي جه من الناحية التانية خلاه يرفع الموبايل عن ودنه ويبص للشاشة، كأنه بيتأكد إن المكالمة لسه شغالة. أمي؟ ردت أخيرًا بتشتغل إيه؟ بتوصل طلبات يا أمي. الأم سكتت تاني، وبعدين قالت وإنت معجب بيها؟ أنا... عايز أعرفها أكتر. الأم تنهدت. يا ابني، إنت مش صغير. إنت عارف إن حياتك مش ملكك لوحدك. فيه عيلة، وفيه مسؤوليات، وفيه ناس هتتكلم. الشيخ رفع عينه للسقف وقال يعني إيه؟ أرفضها عشان الناس هتتكلم؟ أنا ما قلتش كده. أنا بس بقولك فكر كويس. رد بهدوء أنا طول عمري بفكر كويس لدرجة إني ما خدتش أي خطوة في حياتي الشخصية. كل حاجة كانت محسوبة، وكل اختيار كان لازم يرضي العيلة والناس. وفي الآخر بقيت عايش لوحدي، حتى وأنا وسط القصر مليان ناس. الأم اتأثرت بكلامه، لكنها حاولت تخفي ده. أنا كل اللي عايزاه إنك تكون سعيد يا حبيبي. وأنا كمان يا أمي. بس المرة دي، عايز أكتشف سعادتي بنفسي. أنهى المكالمة بعد ما وعدها إنه يكلمها تاني، لكنه ما كانش يعرف إن مكالمته دي هتكون أول شرارة في مشكلة أكبر بكتير. في اليوم التالي، وصل القصر ضيف غير متوقع. كان ابن عمه راشد، شاب في أوائل الثلاثينات، أنيق ومغرور، ومتعود إنه يحصل على اللي عايزه بمجرد ما يطلبه. دخل الصالة وهو بيبتسم ابتسامة واسعة. يا سلام! الشيخ الخليجي بنفسه قرر يختفي في مصر. إيه يا ابن عمي، هو القصر هناك بقى ضيق عليك؟ الشيخ قام وسلم عليه ببرود. أهلًا يا راشد. خير؟ راشد قعد على الكنبة وقال جاي أطمن عليك، وأشوف إيه آخر أخبار موضوع الجواز اللي العيلة كلها بقت بتتكلم فيه. الشيخ قعد قدامه. مفيش جديد. راشد ضحك. يعني لسه رافض كل البنات؟ طب أعمل إيه معاك؟ ده حتى بنت عمي الصغيرة بقت بتسألني إذا كنت هتتجوز قبل ما تكبر ولا لأ! الشيخ ابتسم من غير ما يرد. راشد مال لقدام وقال بس أنا سمعت إن فيه جديد فعلًا. سمعت إنك مهتم بواحدة مصرية. ملامح الشيخ اتغيرت. مين قالك؟ راشد رفع إيده ببراءة مصطنعة. يا راجل، الأخبار بتوصل. إنت فاكر نفسك مستخبي؟ الشيخ بص له بجدية. اللي بيني وبين أي شخص يخصني، ومش موضوع للنقاش. راشد ابتسم ابتسامة جانبية. واضح إن الموضوع كبير فعلًا. طب هي مين؟ الشيخ قام من مكانه. راشد، أنا مش فاضي للألعاب دي. لو جاي في موضوع شغل، اتفضل. غير كده، تقدر ترتاح في جناح الضيوف، وأنا عندي شغل. راشد ضحك وهو بيقوم. ماشي يا ابن عمي. بس خلي بالك، مش كل الناس هتكون متقبلة إنك ترتبط بواحدة من بره مستوانا. الشيخ وقف مكانه وقال المستوى الحقيقي للإنسان مش في الفلوس اللي عنده، ولا في اسم عيلته. راشد ابتسم، لكن عينيه بقت باردة. هنشوف. وخرج من الصالة، وهو شايل في دماغه فكرة بدأت تتشكل. لو الشيخ الخليجي فعلًا ناوي يتجوز بنت بسيطة، فده معناه إن فيه نقطة ضعف جديدة ظهرت في حياته. وراشد ما كانش من النوع اللي يسيب فرصة زي دي تعدي من غير ما يستغلها. بعد يومين، مريم كانت واقفة قدام مطعم صغير بتستلم منه طلب، لما صاحب المطعم ناداها. يا مريم، استني شوية. لفت ناحيته. أيوه يا عم صبحي؟ الرجل قرب منها وقال فيه واحد سأل عليكي من شوية، وكان عايز يعرف مواعيد شغلك. مريم اتوترت. مين؟ واحد لابس بدلة، وراكب عربية غالية. قال إنه من طرف حد مهم. مريم حست بقلق. وقالك اسمه؟ لأ، بس سأل إذا كنتي بشتغلي في المنطقة كل يوم، ومشِي لما قلتله إني معرفش غير اللي بشوفه. مريم شكرته، لكنها فضلت طول الطريق بتفكر في الكلام. هل الشيخ الخليجي رجع يدور عليها؟ ولا فيه حد تاني عرف باللي حصل؟ لما رجعت البيت، حكت لأمها، اللي نصحتها تتواصل مع الشركة وتطلب عدم مشاركة أي بيانات تخصها. وفي نفس الليلة، وصلها اتصال من رقم غريب. ردت بحذر. ألو؟ جالها صوت رجل بيتكلم بالعربي بلكنة خليجية واضحة مساء الخير يا أستاذة مريم. أنا بتصل بحضرتك
بخصوص فرصة عمل ممتازة. مريم عقدت حواجبها. فرصة عمل إيه؟ فيه شركة كبيرة محتاجة موظفة إدارية، والراتب ممتاز، وساعات العمل مناسبة. وصلنا اسم حضرتك من خلال ترشيح. مريم سكتت لحظة، وبعدها سألت مين اللي رشحني؟ الرجل تهرب من الإجابة. شخص يعرف إنك مجتهدة، وممكن تكوني مناسبة للوظيفة. مريم ردت بحسم لو فيه وظيفة فعلًا، ابعتلي اسم الشركة وعنوانها وإعلان رسمي، وأنا هقدم زي أي حد. لكن مش هدي بياناتي لحد معرفوش. الرجل حاول يقنعها. حضرتك مش محتاجة كل الإجراءات دي. الوظيفة مضمونة. مريم ردت بحدة أنا مش بدور على حاجة مضمونة من شخص مجهول. مساء الخير. وقبل ما تقفل، سمعته بيقول على فكرة، الفرصة دي جاية من ناس ممكن يساعدوكي في ظروفك. مريم اتجمدت. إنت تعرف ظروفي منين؟ لكن الرجل أنهى المكالمة. فضلت ماسكة الموبايل، وقلبها بيدق بسرعة. تاني يوم، راحت مقر شركة التوصيل، وطلبت تقابل مديرها، وحكت له عن المكالمة. المدير استمع ليها باهتمام، وبعدها قال إحنا فعلًا جالنا استفسار عن بياناتك من شخص ادعى إنه بيمثل شركة توظيف، لكننا رفضنا ندي أي معلومات من غير موافقتك. مريم تنهدت براحة بسيطة. شكرًا إنكم ما شاركتوش بياناتي. المدير هز راسه. دي حقوقك، يا مريم. بس لو حد ضايقك تاني، بلغينا فورًا. خرجت مريم من الشركة وهي مصممة تعرف مين اللي بيحاول يدخل حياتها بالطريقة دي. وفي نفس الوقت، كان الشيخ الخليجي في مكتبه بالقصر، بيقلب في أوراق شركة من الشركات اللي بيديرها في مصر، لما دخل عليه محمود ومعاه ظرف. الظرف ده وصل لحضرتك من مكتب المحاماة، يا سيدي. الشيخ فتحه، ولقي جواه تقرير مختصر عن محاولة شخص مجهول الاستفسار عن بعض البيانات الشخصية لموظفة في شركة توصيل. ولما شاف اسم مريم في التقرير، رفع عينه فورًا. مين اللي طلب التقرير ده؟ محمود رد مكتب المحاماة تابع للشركة، يا سيدي. فيه حد اتصل بيهم مدعي إنه ممثل شركة توظيف، وكان بيحاول يحصل على بيانات موظفة. ولما اكتشفوا إن الطلب مش رسمي، سجلوا الواقعة باعتبارها محاولة غير معتادة للوصول لبيانات شخصية. الشيخ قرأ الورق مرة تانية، وبعدها قال أنا عايز أعرف مين الشخص اللي اتصل، لكن عن طريق الإجراءات القانونية فقط. ومحدش يقرب من البنت أو يكلمها باسمي. محمود هز راسه. حاضر يا سيدي. الشيخ سكت شوية، وبعدها سأل هو فيه حد من العيلة يعرف موضوع مريم؟ محمود اتردد. أنا ما أقدرش أجزم يا سيدي، لكن ابن عم حضرتك، راشد، كان بيسأل عنك كتير من يوم ما وصل. الشيخ حس إن فيه حاجة مش مريحة في الموضوع، لكنه ما كانش عنده دليل. قرر ما يستعجلش، وطلب من المحامي يتابع الواقعة بشكل رسمي، من غير أي تدخل في حياة مريم. أما راشد، فكان قاعد في أحد الفنادق الفخمة، بيتكلم في الموبايل مع الرجل اللي اتصل بمريم. يعني رفضت الوظيفة؟ الرجل رد بتوتر رفضت، وسألت عن اسم الشركة، ولما ما جاوبتش، قفلت المكالمة. راشد ضغط على أسنانه. غبية! كنت فاكر إن أي حد محتاج فلوس هيمسك في الفرصة دي. تحب أعمل إيه دلوقتي؟ راشد سكت لحظة، وبعدها قال ولا حاجة. سيب الموضوع دلوقتي. أنا عايز أعرف هي مهمة عنده قد إيه قبل ما أقرر الخطوة الجاية. قفل المكالمة، وابتسم لنفسه. كان فاكر إن الموضوع كله مجرد نزوة عابرة من ابن عمه، وإنه بمجرد ما يحط مريم قدامه في موقف صعب، الشيخ هيتراجع عنها. لكنه ما كانش يعرف إن تصرفاته بدأت تلفت انتباه ناس ممكن يكونوا أخطر عليه من أي مواجهة مباشرة. بعد أسبوع، الشيخ الخليجي قرر يرجع للخليج يومين عشان يحضر اجتماع عائلي مهم، لكنه قبل السفر كان عنده رغبة إنه يشوف مريم مرة أخيرة. مش عشان يضغط عليها، لكن عشان يعتذر لها عن كل اللي حصل، ويوضح لها إنه مش مسؤول عن أي محاولة للتواصل معاها. كتب رسالة قصيرة، وبعدها مسحها. فتح الموبايل، وقفله. وفي النهاية قرر إنه ما يتواصلش معاها خالص. لو هي حبت تتكلم، هتقدر توصل له بالطريقة اللي تختارها. سافر في الصباح، ووصل القصر الخليجي قبل الغروب. كانت أمه مستنياه في الصالة، وأول ما شافته، قامت بسرعة وضمتّه لحضنها. وحشتني يا حبيبي. بادلها الحضن، وبعدها قعد جنبها. الأم بصت له باهتمام. إنت اتغيرت. ابتسم. للأحسن ولا للأسوأ؟ مش عارفة لسه. بس بقيت بتفكر قبل ما تتكلم، وده جديد عليك. ضحك وقال أنا كنت بفكر قبل ما أتكلم طول عمري. الأم هزت راسها. لأ، إنت كنت بتقفل الباب قبل ما تسمع اللي وراه. ودي حاجة مختلفة. الكلام لمسه، لأنه كان عارف إنها بتتكلم عن رفضه المستمر للجواز، وعن طريقته في التعامل مع الناس. الأم قربت منه وقالت أنا عايزة أعرف عن مريم. الشيخ بص لها بدهشة. إنتي عرفتي اسمها إزاي؟ ابتسمت. إنت قلتلي اسمها في التليفون، فاكر؟ هو فعلًا كان قال الاسم، لكنه ما توقعش إنها تفضل فاكره بالشكل ده. قال بهدوء هي بنت مجتهدة، وبتشتغل عشان تساعد أهلها. بس أنا لسه ما أعرفهاش كويس. الأم سألته وإيه اللي شدك ليها؟ فكر شوية قبل ما يرد. لأنها مش شايفاني بالشكل اللي الناس بتشوفني بيه. هي مش مهتمة أنا عندي إيه، ولا اسمي إيه. ولو عملت حاجة غلط، بتقولي إني غلطان، حتى لو أنا أقدر أفرض رأيي على ناس كتير. الأم ابتسمت بحنان. وده عاجبك؟ أكتر مما تتخيلي. لكن ابتسامتها اختفت تدريجيًا لما قالت طيب، وإنت مستعد تتقبل حياتها
متابعة القراءة