الشيخ الخليجي
المحتويات
الكلام موجه ليها، لكنها فضلت ساكتة. وبعد ما المحاضرة خلصت، راحت لموظفة البرنامج وسألتها عن طبيعة التعاون بين المؤسسة والشركات اللي بتمول بعض أنشطتها. الموظفة شرحت لها إن فيه أكثر من جهة مشاركة، وإن كل متدرب بيتم اختياره بشكل مستقل. مريم سألتها هل الشيخ الخليجي له علاقة مباشرة باختيار المتدربين؟ الموظفة ردت بوضوح لأ، اللجنة مستقلة تمامًا، وملفات المتقدمين بتتراجع من غير ما تكون أسماء الجهات الممولة مرتبطة بالتقييم. ليه بتسألي؟ مريم قالت إنها مجرد بتستفسر، وشكرتها. المعلومة دي ما حلتش كل شكوكها، لكنها خلتها تفكر إن يمكن الرسالة اللي وصلتها مش بريئة. في المساء، حكت لأمها عن الصورة والكلام المكتوب. الأم سمعت لها للآخر، وبعدها سألت إنتي مصدقة الكلام ده؟ مريم نزلت عينيها. مش عارفة. الأم مسكت إيديها. طيب، إنتي مش بتقولي إن الراجل ده كان واضح معاكي، وإنه اعترف إنه كان متسرع؟ ليه ما تسأليهوش عن الحقيقة بدل ما تحكمي عليه من رسالة مجهولة؟ مريم ردت بۏجع عشان لو طلع الكلام صح، هبقى أنا اللي صدقت إنه مختلف، وطلعت غلطانة. الأم ابتسمت بحنان. يا بنتي، الثقة مش إنك تضمني إن اللي قدامك عمره ما يغلط. الثقة إنك تدي نفسك فرصة تعرف الحقيقة، وبعدها تختاري. إنتي مش مطالبة تسامحيه على حاجة ما تعرفيهاش، ولا مطالبة تصدقيه لمجرد إنه قال كلام حلو. مريم سكتت طويلًا. وفي الآخر، فتحت الموبايل، وكتبت له محتاجة أشوفك. فيه موضوع لازم نتكلم فيه بصراحة. الشيخ كان في مكتبه لما شاف الرسالة. قرأها مرة، وبعدها رد أنا موجود. اختاري المكان والوقت اللي يريحك. مريم اختارت نفس الكافيه اللي اتقابلوا فيه أول مرة، وحددت موعدًا في اليوم التالي. لما وصل، لقاها قاعدة قدام الشباك، ووشها جاد. قعد قدامها وقال خير يا مريم؟ طلعت موبايلها، وورته الرسالة والصورة. عايزة أعرف الحقيقة. إنت كنت بتعتبرني تحدي؟ أو كنت داخل في رهان مع عيلتك إنك تقدر تتجوز أي واحدة؟ الشيخ
بص للصورة، وملامحه اتغيرت. ما كانش مصډوم من الاتهام قد ما كان مصډوم من إن حد وصل لمريم بالطريقة دي. رفع عينه وقال لأ. عمري ما راهنت على جواز، ولا اعتبرتك تحدي. مريم فضلت باصة له. طب ليه كنت رافض الجواز طول السنين دي؟ الشيخ أخد نفسًا عميقًا، وقرر يحكيلها الحقيقة من غير ما يحاول يجمّل نفسه. لأني كنت خاېف أختار غلط، وخاېف أتجوز واحدة عشان ترضي عيلتي، وبعدها أكتشف إننا مش مناسبين لبعض. ومع الوقت، خۏفي اتحول لعند، وبقيت أرفض أي بنت قبل ما أديها فرصة. كنت فاكر إني بحمي نفسي، لكن الحقيقة إني كنت بظلمهم وبظلم نفسي. مريم سألته يعني أول ما شوفتني، قررت إني مختلفة عنهم؟ الشيخ هز راسه. أول ما شوفتك، انجذبت ليكي، وده كل اللي أقدر أقوله عن اللحظة دي. لكن ما قررتش إنك مناسبة ليا، ولا قلت لنفسي إني لازم أتجوزك. أنا لسه بتعرف عليكي، وإنتي كمان لسه بتتعرفي عليا. مريم فضلت ساكتة. الشيخ كمل أنا مش هطلب منك تصدقي كلامي لمجرد إني بقوله. لكن أقدر أقولك إن الصورة دي اتاخدت في اجتماع عائلي، وإن فيه خلافات بيني وبين راشد، ابن عمي، بسبب تصرفات اتعملت من خلال شركته. فيه تحقيق رسمي في الموضوع، وأنا مش عايز أتهم حد من غير دليل نهائي. مريم رفعت عينيها بسرعة. راشد؟ هو له علاقة بالرسائل اللي وصلتني؟ الشيخ رد مش هقدر أجزم، لكن فيه أسباب تخلي المحامي يراجع الموضوع. مريم اتنهدت، وبعدها قالت أنا مش عايزة أكون سبب في مشاكل بينك وبين عيلتك. الشيخ رد بحزم هادي إنتي مش السبب. لو فيه حد ارتكب غلط، فهو المسؤول عن تصرفاته، مش إنتي. مريم فضلت باصة له، وبعدها قالت أنا محتاجة وقت. الشيخ هز راسه. خدي كل الوقت اللي تحتاجيه. قامت من مكانها، لكنه ما حاولش يمنعها. وقبل ما تمشي، لفتت ناحيته وقالت أنا مش عايزة أكون مجرد حكاية تحكيها بعدين وتقول إنك جربت تتجوز واحدة بسيطة عشان تعرف إذا كانت مختلفة عن البنات اللي قابلتهم. الشيخ قام، وبص لها بثبات. إنتي مش تجربة يا مريم. إنتي إنسانة أنا بدأت أحترمها وأهتم بيها، ولو في يوم بقيت جزء من حياتي، فده هيكون عشان إحنا الاتنين اخترنا ده، مش عشان أنا عايز أثبت حاجة لحد. مريم ما ردتش، لكنها المرة دي خرجت من الكافيه وهي أقل خوفًا من المرة اللي فاتت. وفي اليوم التالي، المحامي اتصل بالشيخ وأبلغه إن التحقيق وصل لمرحلة مهمة. اتضح إن راشد هو اللي وافق على تحويلات مالية لجهة وسيطة، وإن الرسائل المجهولة اللي وصلت لمريم خرجت من رقم مرتبط بنفس الجهة. لكن الدليل الأهم كان تسجيلًا لمكالمة بين راشد وأحد مساعديه، اتسجلت ضمن إجراءات تحقيق قانوني منفصل في واقعة مالية تخص الشركة. في التسجيل، كان راشد بيتكلم بوضوح عن رغبته في إبعاد مريم عن ابن عمه، عشان يمنعه من اتخاذ قرار جواز ممكن يغير شكل توزيع المسؤوليات داخل العيلة. الشيخ سمع جزءًا من التسجيل، وقفل الملف. كان ڠضبان، لكنه ما كانش عايز يتحول الموضوع لاڼتقام شخصي. طلب من المحامي يكمل الإجراءات القانونية، وقرر يواجه راشد في اجتماع رسمي بحضور كبير العيلة. في اليوم المحدد، اجتمعوا في القصر الخليجي. راشد دخل بثقة، لكنه أول ما شاف الملف قدام الشيخ، فهم إن الموضوع أخطر مما كان متوقعًا. الشيخ قال أنا عايز أسمع منك الحقيقة قبل ما المحامي يعرض المستندات. راشد حاول يضحك. حقيقة إيه؟ الشيخ فتح الملف. محاولات الوصول لبيانات مريم، والاتصالات اللي اتعملت معاها، والرسائل اللي اتبعتت لها عشان تخليها تشك فيا. راشد اتغيرت ملامحه، لكنه حاول يتماسك. أنا ماليش علاقة بالكلام ده. المحامي بدأ يعرض المستندات، واحد ورا التاني، من غير ټهديد ولا مبالغة. ولما انتهى، كبير العيلة بص لراشد پغضب. هل عندك رد؟ راشد سكت للحظات، وبعدها قال أنا كنت بحاول أحمي العيلة. الشيخ رد بحدة تحميها من إيه؟ من بنت ما تعرفهاش؟ راشد رفع صوته من إنك تاخد قرار يغير كل حاجة! إنت طول عمرك رافض الجواز، وفجأة بسبب بنت قابلتها مرة، بقيت مستعد تغير حياتك كلها! الشيخ وقف قدامه. حتى لو قررت أتجوزها، ده قراري أنا. مش من حقك تخوفها، ولا تتدخل في حياتها، ولا تستخدم فلوس الشركة عشان تحقق اللي إنت عايزه. راشد صړخ أنا كنت عارف إنك هتضعف بسببها! الشيخ بص له ببرود. لو إنت شايف إن احترام إنسانة ضعف، يبقى المشكلة مش فيا. كبير العيلة طلب من المحامي اتخاذ الإجراءات اللازمة، وأعلن إن راشد مش هيكون له أي دور إداري في الشركات التابعة للعيلة لحد ما التحقيقات تخلص، وإن أي مسؤولية مالية أو قانونية هيتحملها بنفسه. راشد بص للشيخ بكراهية. إنت هتندم إنك اخترت واحدة زي دي على حساب عيلتك. الشيخ رد من غير تردد أنا ما اخترتش حد على حساب حد. أنا اخترت إني ما أسمحش للغلط يتغطى باسم العيلة. راشد خرج من القصر، والمرة دي ما كانش عنده ابتسامة ولا ثقة. بعد الاجتماع، كبير العيلة طلب من الشيخ يقعد معاه. قال له أنا كنت فاكر إنك بترفض الجواز عشان مش لاقي البنت المناسبة، لكن واضح إنك كنت رافض فكرة إن حد يشاركك حياتك من الأساس. الشيخ ابتسم بحزن. يمكن. كبير العيلة كمل أنا مش هقولك اتجوزها، ولا هقولك ابعد عنها. دي حياتك. لكن لو اخترت تكون معاها، لازم تكون مستعد تواجه الناس اللي هتتكلم، وتثبت إن قرارك مش مجرد اندفاع. الشيخ رد أنا مش محتاج أثبت للناس حاجة. أنا محتاج أتأكد إن قراري عادل ليا وليها. كبير العيلة ابتسم للمرة الأولى. يبقى إنت بدأت تفهم. بعد أيام، الشيخ طلب من المحامي يبعث لمريم إخطارًا رسميًا يؤكد إن التحقيقات أثبتت إن المضايقات اللي تعرضت لها مرتبطة بجهة تابعة لراشد، وإن الإجراءات القانونية مستمرة. ما بعتلهاش رسالة شخصية، وما طلبش منها تتدخل في القضية. ولما مريم قرأت الإخطار، حست إن جزءًا كبيرًا من القلق اللي كان جواها بدأ يهدأ. هي ما كانتش عايزة ټنتقم من حد، لكنها كانت محتاجة تعرف إن اللي حصل مش بسببها، وإنها مش مطالبة تدفع ثمن مشاعر شخص تاني. بعد أسبوع، خلصت المرحلة الأولى من التدريب، ونجحت بدرجة عالية، واتعرض عليها تدريب عملي مدفوع في إحدى الشركات المشاركة. الخبر فرحها، لكنها كانت عارفة إن المسؤولية هتكبر، وإنها هتحتاج تنظم وقتها أكتر. في اليوم اللي استلمت فيه خطاب القبول، رجعت البيت وهي بتضحك، وأمها استقبلتها بقلق مصطنع. إيه الضحكة دي؟ أكيد فيه مصېبة جاية. مريم ضحكت وقالت لأ يا ماما، المرة دي فيه خبر حلو. وحكت لها عن التدريب العملي. عبد الرحمن كان قاعد في الصالة، ولما سمع الخبر، قام من مكانه وقال أنا فخور بيكي يا مريم. مريم بصت له، والكلمة أثرت فيها، لكنها ما ردتش بسرعة. عبد الرحمن فهم، فقال أنا عارف إن كلامي مش هيصلح كل حاجة، لكن هفضل أقولك إني فخور بيكي لحد ما تصدقي إنك تستاهلي تسمعي الكلام ده من أبوكي. مريم ابتسمت ابتسامة صغيرة. شكرًا يا بابا. وبدأت صفحة جديدة في حياتها. اشتغلت في التدريب العملي، وفضلت مكملة شغل التوصيل في الأيام اللي تقدر فيها، لحد ما قدرت تجمع مبلغ يساعدها في مصاريف البيت، وتدخر جزءًا لمستقبلها. أما الشيخ الخليجي، فكان بيحاول يلتزم بوعده ويترك لها المساحة اللي تحتاجها. ما كانش بيتصل بيها كل يوم، لكنه لما كانت تبعت له رسالة، كان بيرد باهتمام، ولما كانت تطلب رأيه في حاجة تخص التدريب، كان يساعدها من غير ما يفرض عليها قراره. ومع الوقت، بدأت مريم تشوف جانبًا تاني منه. في مرة، بعتت له سؤال عن موقف حصل في التدريب، وكانت محتارة بين إنها تواجه مديرها اللي نسب لنفسه مجهودها، أو تسكت عشان ما تخسرش الفرصة. الشيخ رد عليها إنتي مش مضطرة تختاري بين كرامتك ومستقبلك. اكتبي اللي حصل بالتفصيل، واحتفظي بأي دليل، وبعدها اتكلمي بهدوء مع الشخص المسؤول عن التدريب. ما تدخليش في مواجهة من غير ما تكوني مستعدة، لكن ما تتنازليش عن حقك. مريم نفذت النصيحة، وقدرت تثبت إنها صاحبة الشغل، والمدير اعتذر لها قدام الفريق. لما حكت للشيخ اللي حصل، قال أنا كنت متأكد إنك هتعرفي تتصرفي. ردت عليه ما كنتش متأكد إنك هتديني نصيحة من غير ما تقولي أعمل اللي إنت شايفه وخلاص. ضحك وقال أنا بتعلم. مريم ردت واضح إن عندك أمل. ضحكوا، وبقت المكالمات بينهم أطول شوية، والكلام بقى أكثر راحة. وفي يوم، مريم سألته عن طفولته، وعن سبب تمسكه الشديد بالهدوء والسيطرة. حكى لها إنه من صغره كان محاطًا بتوقعات كبيرة، وإن كل خطوة في حياته كانت محسوبة على أساس إنه وريث عائلة كبيرة، وإنه لازم يكون دايمًا قوي، وما يظهرش ضعفه قدام حد. قال لها كنت فاكر إن لو حد شافني متردد أو خاېف، هيعتبرني مش قد المسؤولية. فبقيت أرفض أي حاجة ممكن تخليني أحس إني فقدت السيطرة، حتى الجواز. مريم سألته ولما شوفتني أول مرة، حسيت إنك فقدت السيطرة؟ ضحك وقال تمامًا. وده ضايقك؟ فكر شوية. في البداية، أيوه. كنت عايز أفهم ليه مش قادر أنسى وشك. لكن بعدين اكتشفت إن مش كل حاجة لازم أفهمها فورًا، وإن فيه حاجات تستحق إني أديها وقت. مريم ابتسمت. دي إجابة أحسن من إجاباتك القديمة. الشيخ رد هعتبر ده تطورًا ملحوظًا في شخصيتي. وبمرور الأسابيع، بدأت مريم تحس إنها بتعرفه فعلًا، مش مجرد الراجل الغني اللي ظهر فجأة في حياتها. لكنها كانت لسه محتاجة تشوفه في مواقف أكتر، وتعرف إذا كان احترامه ليها هيستمر لما يختلفوا في حاجة كبيرة. والاختبار جه في يوم ما كانتش متوقعاه. الشيخ دعاها لحضور معرض خيري بتشارك فيه المؤسسة اللي بتقدم برامج تدريب للشباب، وكان واضح إنه متردد وهو بيعرض عليها الدعوة. قال أنا عارف إن الأماكن دي ممكن تكون مش مريحة ليكي، وفيه ناس كتير هتكون موجودة، لكن لو حبيتي تيجي، هيكون فيه عرض لمشروعات الشباب اللي اتدربوا السنة دي. مريم سألت وإنت هتكون هناك؟ أيوه. فكرت لحظة، وبعدها وافقت. راحت المعرض بلبس بسيط وأنيق، وكانت متوترة من كمية الناس والوجوه
الرسمية، لكنها حاولت تركز في المشروعات المعروضة. الشيخ كان واقف عند مدخل القاعة، ولما شافها، ابتسم، لكنه ما جريش ناحيتها ولا قدمها للناس باعتبارها شخصًا مهمًا في حياته. اكتفى إنه قرب منها وقال أهلًا بيكي. مبسوط إنك جيتي. مريم ردت بابتسامة أنا جاية عشان المعرض، مش عشانك. الشيخ ضحك. طبعًا، وأنا مجرد صدفة في المعرض. ضحكت، والتوتر بدأ يخف. لكن بعد فترة قصيرة، قربت منهم سيدة أنيقة، كانت بتتكلم مع مجموعة من رجال الأعمال. بصت لمريم وسألت الشيخ مين الآنسة؟ الشيخ رد بهدوء دي مريم، من المشاركين في البرنامج التدريبي. السيدة ابتسمت ابتسامة باردة. آه، يعني من الموظفين؟ مريم فهمت نبرة السؤال، لكنها ردت باحترام أيوه، وأنا فخورة بده. السيدة رفعت حاجبها. طبعًا، الشغل شيء مهم. بس واضح إن الشيخ الخليجي بقى مهتم جدًا ببرامج التدريب الفترة دي. الشيخ فهم الإهانة اللي مستخبية في الكلام، ورد البرامج دي مهمة فعلًا، وبتساعد ناس عندها كفاءة إنها تلاقي فرصة تستحقها. السيدة ضحكت بخفة. أكيد. بس أحيانًا الناس بتخلط بين الفرصة والاستفادة الشخصية. مريم حست بالڠضب، لكنها ما كانتش عايزة تعمل مشهد. قبل ما ترد، الشيخ قال بوضوح لو عند حضرتك تعليق على البرنامج، ممكن نتكلم فيه مع الإدارة. لكن مريم هنا بصفتها مشاركة، وأي كلام يقلل منها أو من شغلها مش مقبول. السيدة اتوترت، واعتذرت بشكل مقتضب، وبعدها ابتعدت. مريم بصت للشيخ وقالت أنا كنت أقدر أرد عليها بنفسي. الشيخ هز راسه. عارف. وأنا ما رديتش بدل منك، أنا رديت على الكلام اللي اتقال قدامي. ولو كنتي حابة تردي بنفسك، كنت هسيبلك المساحة. مريم فضلت باصة له، وبعدها ابتسمت. تمام. المرة دي عدت. ضحك وقال أنا كده نجحت في الاختبار؟ لسه النتيجة ما طلعتش. في نهاية المعرض، مريم وقفت قدام مشروع صغير لتدريب الشباب على إدارة المشروعات المنزلية، وحست إنها نفسها في يوم يكون عندها مشروعها الخاص. الشيخ لاحظ اهتمامها وسألها عجبك المشروع؟ مريم قالت بحماس أوي. أنا نفسي أعمل حاجة زي كده، بس مش عارفة أبدأ منين. الشيخ فكر لحظة، وبعدها قال ممكن تبدأي بدراسة السوق، وتشوفي إيه المهارات اللي عندك، وإيه اللي محتاج يتعلم. ولو حبيتي، أقدر أساعدك تلاقي مصادر تعليمية مجانية. مريم بصت له. مصادر تعليمية بس؟ الشيخ ابتسم. مصادر تعليمية بس. ضحكت وقالت خلاص، ابعتلي أسماء الكتب والمواقع، وأنا هتصرف. وبالفعل، بعت لها مجموعة من المصادر العامة، وبدأت تدرس إدارة المشروعات الصغيرة، وتكتب أفكارها في كشكول قديم. كانت فكرتها بسيطة خدمة لتوصيل الطلبات للمحال الصغيرة في منطقتها، لكن بشكل منظم يضمن حقوق المندوبين، ويوفر للزبائن خدمة موثوقة. هي كانت عارفة تفاصيل الشغل من أرض الواقع، وعارفة إن فيه مشاكل كتير ممكن تتحل لو الإدارة اتعملت بطريقة أفضل. ومع الوقت، بدأت ترسم خطة أولية للمشروع. لما عرضتها على الشيخ، استمع لها للنهاية من غير ما يقاطعها، وبعدها قال الفكرة كويسة، لكن محتاجة دراسة تكاليف واضحة، وخطة تشغيل، وطريقة تحميكي من المخاطر. مريم قالت عارفة. أنا لسه بتعلم. الشيخ رد وأنا ممكن أساعدك تراجعي الخطة من ناحية الإدارة، لكن القرار والتنفيذ هيكونوا بتوعك. ولو حبيتي تعرضي المشروع على أي جهة تمويل، يكون من خلال الإجراءات الرسمية نفسها، من غير معاملة خاصة. مريم ابتسمت. كده ممكن أقبل المساعدة. وبدأت رحلة جديدة، مختلفة عن كل اللي فات. في الوقت ده، كانت قضية راشد بتتقدم، والأدلة بقت كافية لتوجيه اټهامات رسمية في وقائع إساءة استخدام أموال الشركة ومحاولة الحصول على بيانات شخصية بطرق غير مشروعة. راشد حاول يتواصل مع الشيخ أكثر من مرة، لكنه رفض يقابله لوحده. ولما التقوا في جلسة عائلية بحضور المحامي وكبير العيلة، راشد قال پغضب إنت خربت حياتي عشان واحدة. الشيخ رد بهدوء إنت اللي أخدت قراراتك. وأنا ما طلبتش منك تعمل أي حاجة. راشد بص له بكراهية. كنت عايز تثبت إنك تقدر تتجوز أي واحدة، وطلعت أنا اللي خسړت كل حاجة. الشيخ قال أنا ما كنتش بحاول أثبت حاجة. لكن لو وجود مريم في حياتي كشف إنك مستعد ټأذي إنسانة عشان تتحكم في قراراتي، يبقى المشكلة كانت موجودة من قبل ما أقابلها. راشد سكت، لأنه ما كانش عنده رد. وفي النهاية، اتخذت العيلة قرارًا واضحًا بفصل الخلافات الشخصية عن إدارة الشركات، وتعيين مراجعة مستقلة للمعاملات المالية، مع استمرار الإجراءات القانونية من غير تدخل من أي طرف. الشيخ ما حسش بالانتصار، لكنه حس إن فيه عبء كبير اتشال من على كتفه. وبعد شهور من التدريب والعمل، مريم خلصت البرنامج بنجاح، واتعرض عليها عقد عمل دائم في قسم العمليات بإحدى الشركات. كان مرتبها أحسن بكتير من شغل التوصيل، وساعات العمل هتسمح لها تركز في مشروعها الخاص. لما رجعت البيت بالخبر، أمها عيطت من الفرحة، وكريم جري عليها وحضنها. أما عبد الرحمن، فوقف قدامها وقال أنا عايز أقولك حاجة يا مريم. بصت له. اتفضل يا بابا. أنا بدأت أشتغل مع نجار قديم كنت أعرفه، وقررنا نفتح ورشة صغيرة سوا. مش هقولك إني هقدر أعوض كل اللي فات، لكن هحاول أشيل مسؤوليتي بدل ما أفضل مستني إنك تنقذينا كلنا. مريم اتفاجئت. بجد يا بابا؟ ابتسم. أيوه. وأنا عايزك تعرفي إنك مش مسؤولة عن كل حاجة في البيت. إنتي من حقك تعيشي حياتك، وتحققي أحلامك، وتختاري الشخص اللي ترتاحي معاه. مريم دموعها نزلت، لكنها المرة دي كانت دموع فرحة. قربت منه وحضنته. أنا كنت مستنية أسمع منك الكلام ده من زمان. عبد الرحمن ضمھا لحضنه وقال عارف. ويمكن اتأخرت كتير، لكن أتمنى تديني فرصة أثبتلك إني اتغيرت فعلًا. مريم ردت الفرصة موجودة يا بابا، بس لازم نفضل نحاول. وبدأ البيت يتغير بالتدريج. عبد الرحمن التزم بالعلاج النفسي اللي وافق يبدأه بعد تشجيع من زوجته، وبقى بيتعلم إزاي يتعامل مع غضبه بدل ما يطلعه على أهل بيته. وأم مريم بدأت تخرج من حالة الخۏف المستمر، وكريم ركز في دراسته، وبقى البيت مليان نقاشات عن المستقبل بدل ما يكون كل الكلام فيه عن الديون والمشاكل. أما مريم، فكانت بتحاول توازن بين شغلها ومشروعها الجديد، وبين علاقتها بالشيخ الخليجي اللي بقت أقرب وأعمق. وفي يوم، بعد ما خلصوا مراجعة خطة مشروعها، الشيخ قال لها مريم، فيه حاجة عايز أتكلم معاكي فيها، بس مش عايزك تحسي إنك مضطرة تردي دلوقتي. مريم رفعت عينيها من الورق. قول. الشيخ أخد نفسًا عميقًا. أنا بقيت متأكد إني مش عايز أكتفي بإننا نتكلم من وقت للتاني. أنا عايز أخد خطوة جدية، وأتقدم لك رسمي، لو إنتي شايفة إننا وصلنا للمرحلة دي. مريم سكتت، وقلبها بدأ يدق بسرعة. هو كمل أنا مش هقولك إن حياتنا هتكون سهلة، ولا إن كل المشاكل هتختفي. فيه اختلافات كبيرة بيننا، وفيه مسؤوليات، وفيه ناس ممكن تعترض. لكن أنا مستعد أواجه ده كله، بشرط إنك تكوني عايزة ده معايا. مريم بصت له طويلًا، وبعدها قالت أنا كمان بقيت أهتم بيك، وبقيت بستنى كلامنا، وبفرح لما أشوفك. لكن فيه حاجات لازم نتفق عليها قبل أي خطوة. الشيخ هز راسه. قولي. أنا مش هسيب شغلي لمجرد إنك غني. ومش هبطل مشروعي عشان حياتك مختلفة عن حياتي. ومش عايزة أعيش في مكان أحس فيه إني غريبة، أو إن كل قرار لازم يوافق عليه حد من عيلتك. الشيخ رد أنا مش عايزك تسيبي شغلك، ولا مشروعك. ولو اتجوزنا، هنختار مع بعض المكان اللي يناسبنا إحنا الاتنين. مريم كملت وأنا مش هقبل إن حد من أهلك يقلل مني، حتى لو كان كبير العيلة نفسه. الشيخ ابتسم. ولا أنا هقبل إن حد يقلل منك. لكن الأهم، لو حصل خلاف، نتكلم إحنا الاتنين ونحله مع بعض، من غير ما نخلي أي حد يقرر عننا. مريم سكتت لحظة، وبعدها قالت طب وأهلك؟ الشيخ رد أمي عايزة تقابلك لو إنتي موافقة. ومش هتضغط عليكي. هي بس نفسها تعرفك أكتر. مريم ابتسمت. أنا قابلتها قبل كده، وارتحت لها. الشيخ ضحك بفرحة واضحة. يعني دي موافقة؟ مريم ضحكت وقالت دي موافقة مبدئية، ولسه فيه مقابلة رسمية. رفع إيده باستسلام. حاضر يا فندم. أنا تحت الاختبار. وفي الأسبوع التالي، اتفقوا على زيارة رسمية في بيت مريم، بحضور أهلها وأم الشيخ. الشيخ أصر إنه يروح بنفسه، من غير موكب كبير ولا مظاهر مبالغ فيها. ولما وصل، كان عبد الرحمن مستنيه عند الباب، لابس قميص جديد، وواضح عليه التوتر. مد إيده للشيخ وقال أهلًا وسهلًا. البيت نور. الشيخ صافحه باحترام. ده شرف ليا يا عم عبد الرحمن. عبد الرحمن بص له بدهشة بسيطة، لأنه ما كانش متوقع يسمع الكلام ده من شخص في مكانته. دخلوا الصالة، وكانت أم مريم بتحضر الضيافة، وكريم واقف جنب أخته، بيحاول يخفي ابتسامته. نورة سلمت على الجميع، وقعدت جنب أم مريم، وبدأت تتكلم معاها عن الأسرة والحياة اليومية، من غير أي أسئلة محرجة أو استعلاء. أما الشيخ، فقعد قدام عبد الرحمن، واتكلم معاه بصراحة. أنا جاي النهارده عشان أطلب إيد مريم على سنة الله ورسوله، لو هي وأهلها موافقين. وأنا عارف إن فيه حاجات كتير لازم نتفق عليها، وعارف إن اللي حصل قبل كده ممكن يخليكم مترددين، وده حقكم. عبد الرحمن سكت لحظة، وبعدها قال أنا مش هقدر أقولك إن بنتي مش غالية عليا. هي شالت كتير، وأنا نفسي أضمن إنها مش هتتعب تاني. الشيخ رد أنا ما أقدرش أوعدك إنها عمرها ما هتزعل أو هتتعب، لأن ده مش واقعي. لكن أقدر أوعدك إني مش هتعمد أوجعها، وإن أي خلاف بيننا هيتحل بالاحترام والكلام، مش بالضغط أو الإهانة. عبد الرحمن بص له طويلًا، وبعدها قال أنا مش عايزها تبقى مجرد زوجة لراجل غني. أنا عايزها تفضل مريم اللي عرفناها، اللي عندها أحلامها وشغلها ورأيها. الشيخ ابتسم. وأنا عايزها تفضل مريم دي. دي الإنسانة اللي أنا عايز أشاركها حياتي. في اللحظة دي، أم مريم بصت لبنتها وسألتها إنتي رأيك إيه يا مريم؟ كل العيون اتجهت ناحيتها. مريم أخدت نفسًا عميقًا، وبصت للشيخ، وبعدها لأهلها. أنا موافقة. كريم صړخ من الفرحة أخيرًا! الكل ضحك، حتى مريم اللي وشها احمر من الكسوف. الشيخ كان بيبصلها وكأنه مش مصدق إن
اللحظة دي حصلت فعلًا. هو اللي رفض عشرات البنات من أكبر العائلات، واللي كان فاكر إن الجواز مسؤولية لازم يتجنبها، لقى نفسه قاعد في شقة بسيطة في القاهرة، بيطلب إيد بنت اختارته بعد ما عرفته على حقيقته. ولأول مرة، حس إن كلمة مناسب ليها معنى مختلف تمامًا. لكن قبل ما يفرحوا بشكل كامل، كان لازم يتفقوا على تفاصيل الحياة اللي هتجمعهم. الشيخ اقترح إنهم يقيموا جزءًا من الوقت في مصر، وجزءًا في الخليج حسب ظروف العمل، لكن مريم قالت إنها مش مستعدة تسيب شغلها ومشروعها. بعد نقاش طويل، اتفقوا إنهم يعيشوا في مصر في البداية، وإن الشيخ يدير أعماله من خلال سفرات محددة، وإن مريم تفضل مكملة شغلها ومشروعها، وإن أي انتقال مستقبلي
متابعة القراءة