الشيخ الخليجي

لمحة نيوز

يتناقشوا فيه مع بعض. نورة دعمت القرار، وقالت أنا مش عايزة ابني يتجوز عشان ياخد مراته ويبعدها عن حياتها. أنا عايزاه يبني معاها حياة جديدة تناسبهم هم الاتنين. أم مريم مسكت إيدها وقالت ربنا يبارك فيكي. أنا كنت خاېفة من فرق الظروف، لكن كلامك ريحني. نورة ابتسمت. الظروف ممكن تختلف، لكن الاحترام لازم يكون واحد. بعد الزيارة، بدأت ترتيبات الخطوبة. الشيخ كان عايز يعمل حفل كبير في أحد الفنادق الفخمة، لكن لما سأل مريم عن رأيها، قالت أنا نفسي في حفلة بسيطة، فيها أهلنا والناس اللي بنحبهم، مش حفلة كل الناس فيها جاية تتفرج علينا. الشيخ وافق من غير نقاش. اتفقوا على حفل صغير في حديقة جميلة، فيها زينة بسيطة وأضواء دافئة، وحضر أهلهم وأصدقاؤهم المقربون. مريم لبست فستانًا أنيقًا بلون هادئ، وكانت جميلة بشكل طبيعي، والشيخ وقف قدامها وهو مش قادر يخفي ابتسامته. لما قرب منها، قال بصوت منخفض عارفة إنك أول واحدة تخليني أستنى مناسبة بفارغ الصبر؟ مريم ضحكت. وأنت أول واحد يخليني أوافق على مقابلة شخص أكتر من مرة من غير ما أزهق. الشيخ حط إيده على قلبه وقال ده أعظم إنجاز في حياتي. ضحكت، وبعدها بصت له بجدية. بس لسه عندك امتحانات كتير. أنا مستعد. وبين الضحك والتهاني، حسوا إنهم بيبدأوا حياة جديدة فعلًا، من غير وعود مستحيلة، لكن باتفاق واضح إن كل واحد فيهم هيفضل يحترم التاني. بعد الخطوبة، مريم بدأت تشتغل بجد على مشروعها، وخصصت جزءًا من مرتبها للادخار، وقدمت على برنامج دعم للمشروعات الصغيرة. الشيخ ساعدها في مراجعة الخطة، لكنه ما دخلش شريكًا فيها، وما قدمش لها تمويلًا خاصًا. ولما اتقبلت في البرنامج، كانت فرحتها أكبر من أي هدية ممكن يقدمها لها. قالت له أنا كنت خاېفة أكون مش هقدر أعمل حاجة لوحدي، لكن دلوقتي حاسة إني أقدر أبدأ. الشيخ رد إنتي كنتي تقدري من زمان. كل اللي كنتي محتاجاه فرصة عادلة. بدأ المشروع بفريق صغير من ثلاثة أشخاص، واستأجرت مريم مكتبًا متواضعًا، واشترت أجهزة مستعملة بحالة جيدة، وبدأت تتعامل مع المحال الصغيرة في منطقتها. كانت بتعرف أصحاب المحلات بنفسها، وتشرح لهم طريقة العمل، وتسمع مشاكلهم، وتعدل نظام التوصيل حسب احتياجاتهم. في البداية، واجهت صعوبات كتير. مرة تأخر أحد المندوبين في تسليم طلبات بسبب عطل في الموتوسيكل، ومرة زبون رفض يدفع قيمة طلب وصل له سليم، ومرة أحد المحال اشتكى من تأخر التحويلات. لكن مريم كانت بتتعامل مع كل مشكلة باعتبارها درسًا، وتراجع الإجراءات، وتتعلم من أخطائها. الشيخ كان بيتابع تقدمها باهتمام، لكنه ما كانش بيتدخل إلا لما تطلب رأيه. وفي يوم، اتصلت به وهي متوترة. عندي مشكلة كبيرة. الشيخ وقف من مكانه. إيه اللي حصل؟ أحد المحال الكبيرة عايز يلغي التعاقد، وبيقول إن حجم الطلبات عندنا مش كفاية. الشيخ سألها إنتي شايفة إن عنده حق؟ مريم سكتت. جزئيًا. إحنا لسه صغيرين، ومش قادرين نوفر نفس عدد المندوبين اللي عند الشركات الكبيرة. الشيخ قال طيب، بدل ما تحاولي تثبتي إنك أكبر من حجمك، قدمي له خطة واقعية. قولي له إيه اللي تقدري توفريه دلوقتي، وإيه اللي تقدري توصلي له خلال ست شهور. مريم فكرت في الكلام، وبعدها قالت يعني ما أحاولش أكبر بسرعة عشان أرضيه؟ بالضبط. النمو السريع من غير أساس ممكن يوقع المشروع كله. مريم ابتسمت. شكرًا. هراجع الأرقام وأكلمه بكرة. وبالفعل، قدمت خطة واضحة، واتفقوا على فترة تجريبية بدل إلغاء التعاقد. بعد شهور، المشروع بدأ يحقق أرباحًا بسيطة، لكن ثابتة، وبدأت مريم توظف شبابًا وبنات من منطقتها، وتحرص على إن ساعات العمل والأجور تكون واضحة، وإن أي مندوب يتعرض لمشكلة يلاقي حد يسمعه. ومع الوقت، اسم المشروع انتشر في المنطقة، وبقى أصحاب المحال يرشحوا بعضهم لبعض. وفي يوم، الشيخ زار المكتب لأول مرة بعد ما مريم دعته بنفسها. دخل المكان، وشاف فريق العمل بيتحرك بسرعة، ومريم واقفة قدام لوحة كبيرة عليها خطة التوصيل اليومية. أول ما شافته، قالت أهلًا بالضيف الكريم. ممنوع الدخول من غير تسجيل. الشيخ ضحك. يعني حتى أنا؟ مريم أشارت للوحة. خصوصًا إنت. لازم تعرف إن النظام عندنا فوق الجميع. رفع إيده باستسلام، وبدأ يسجل اسمه في دفتر الزوار. الفريق كله ضحك، ومريم حست بسعادة كبيرة. بعد ما خلصوا الجولة، وقفوا في المكتب الصغير اللي بقت تعتبره عالمها الخاص. الشيخ بص حواليه وقال أنا فخور بيكي يا مريم. مريم ابتسمت، لكن المرة دي ما كانتش محتاجة تسمع الكلام عشان تصدقه. وأنا فخورة بنفسي. الشيخ بص لها بحنان. وده أهم شيء. لكن مع اقتراب موعد الجواز، ظهرت مشكلة جديدة. كبير العيلة في الخليج طلب إن حفل الزواج يتعمل في القصر العائلي، بحضور كبار الشخصيات، واعتبر إن ده واجب اجتماعي ما ينفعش يتأجل. مريم لما عرفت، اتوترت. هي ما كانتش ضد السفر أو مقابلة عيلة الشيخ، لكنها ما كانتش مستعدة تتحول لحكاية تتناقلها المجالس، ولا تحس إنها داخلة امتحان أمام مئات الناس. قالت له أنا مش هقدر أعمل فرح كبير بالشكل ده. الشيخ رد أنا عارف، وعشان كده هنحاول نوصل لحل يناسبنا. لكن لما اتصل بكبير العيلة، لقى اعتراضًا شديدًا. يا ولدي، الزواج ده مش موضوع خاص بيك وبس. إنت من عيلة كبيرة، ولازم نحافظ على التقاليد. الشيخ قال أنا بحترم التقاليد، لكن مريم ليها حق تختار شكل فرحها. كبير العيلة رد ما حدش بيمنعها تختار، لكن فيه أمور أكبر من رغبات الأفراد. الشيخ سكت، وبعدها قال لو كان المطلوب إنها تتنازل عن راحتها عشان الناس، يبقى لازم نراجع معنى التقاليد دي. أنهى المكالمة وهو عارف إن المواجهة دي مش هتكون سهلة. مريم لاحظت إنه متضايق، فسألته. حكى لها كل اللي حصل، وبعدها قال أنا مش هطلب منك تعملي حاجة مش عايزاها. لكن لازم أكون صريح معاكي، الموضوع ممكن يعمل خلافات كبيرة في العيلة. مريم فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت أنا مش عايزة أبعدك عن أهلك. وفي نفس الوقت، مش عايزة أبدأ حياتي وأنا حاسة إني مجبرة على حاجة. الشيخ مسك إيديها وقال مش هتكوني مجبرة على حاجة. في اليوم التالي، نورة اتصلت بمريم بنفسها، وقالت لها يا بنتي، أنا عايزة أتكلم معاكي في موضوع الفرح. مريم اتوترت. اتفضلي يا طنط. نورة قالت أنا عارفة إنك مش مرتاحة لفكرة الحفل الكبير، وأنا مش هضغط عليكي. لكن ممكن نفكر في حل وسط؟ نعمل حفل عائلي بسيط في مصر، وبعده لقاء صغير في الخليج للعيلة القريبة، من غير مظاهر كبيرة ولا ضيوف إنتي مش مرتاحة لوجودهم. مريم فكرت شوية. أنا ممكن أوافق على لقاء عائلي صغير، لو فعلًا هيكون بسيط، ومش هيتحول لحفل رسمي كبير. نورة ابتسمت. وعد مني. وأنا هتكلم مع كبير العيلة بنفسي. وبالفعل، نورة اتكلمت مع كبير العيلة، وشرحت له إن الإصرار على الحفل الكبير ممكن يسبب توترًا بين العروسين قبل ما يبدأ زواجهما. كبير العيلة اعترض في البداية، لكنه لما سمع منها إن الشيخ مستعد يتحمل المسؤولية كاملة، وافق في النهاية على حل وسط. مريم ارتاحت، وحست إن نورة مش مجرد والدة الشيخ، لكنها بقت شخصًا تثق فيه. وفي الأيام اللي سبقت الزواج، مريم كانت بتجهز بيتها الجديد، وبتختار كل تفصيلة بنفسها. الشيخ عرض عليها إنهم يشتروا قصرًا أكبر، لكنها رفضت. أنا مش عايزة أعيش في مكان محتاجة فيه خريطة عشان أوصل للمطبخ. الشيخ ضحك. طب نختار بيتًا واسعًا، لكن مش كبير زيادة؟ مريم ابتسمت. بالضبط. بيت فيه مكان لشغلي، ومكان ليك، وحديقة صغيرة، ومطبخ أقدر أطبخ فيه من غير ما أحتاج فريق كامل. الشيخ رد اتفقنا. اختاروا بيتًا هادئًا في القاهرة، بعيدًا عن الزحمة، لكنه قريب من مكتب مريم ومن الأماكن اللي بيحتاج الشيخ يروحها. كان فيه حديقة صغيرة، وغرفة واسعة خصصتها مريم لمشروعها، ومكتبة كبيرة اختار الشيخ كتبها بنفسه. أما المطبخ، فكان على ذوق مريم تمامًا. ولما دخلوا البيت لأول مرة بعد تجهيزاته، مريم وقفت في منتصف الصالة، وبصت حواليها. أنا مش مصدقة إن ده بقى بيتنا. الشيخ وقف جنبها وقال وأنا مش مصدق إنك وافقتي تتجوزيني أصلًا. ضحكت وضړبته بخفة على كتفه. لسه ممكن أغير رأيي. الشيخ حط إيده على قلبه. حرام عليكي، قلبي مش مستحمل. ضحكوا، وبعدها وقفوا لحظة في صمت جميل. مريم بصت له وقالت عارف أكتر حاجة بتخوفني؟ الشيخ رد إيه؟ إني أكون سعيدة دلوقتي، وبعد كده كل حاجة تتغير. أنا اتعودت إن أي حاجة حلوة في حياتي لازم بعدها تحصل مشكلة. الشيخ ما قالش لها إن المشاكل مش هتحصل، ولا وعدها إن حياتهم هتكون مثالية. اكتفى إنه مسك إيديها وقال أنا مش هقدر أضمنلك إن الحياة مش هتتغير، لكن أقدر أضمنلك إني مش هخليكي تواجهِي أي مشكلة بيننا لوحدك. ولو اختلفنا، هنتكلم. ولو غلطت، هعتذر. ولو إنتي غلطتي، هنتفاهم. ومش هسمح إن خوفنا من المستقبل يسرق مننا فرحتنا بالنهارده. مريم حسّت إن الكلام ده أصدق من أي وعد كبير سمعته قبل كده. قربت منه، وحضنته، وقالت أنا هحاول أصدقك. هو ضمھا برفق وقال وأنا هحاول كل يوم أكون قد ثقتك. وجاء يوم الزواج. كان الحفل بسيطًا، وسط أهلهم وأصدقائهم المقربين، والزينة كانت هادئة، والموسيقى منخفضة، والناس اللي حضروا كانوا جايين يفرحوا بيهم فعلًا. مريم كانت واقفة جنب أمها، لابسة فستانًا أنيقًا، وملامحها فيها مزيج من السعادة والتوتر. أمها عدلت لها الطرحة وقالت ربنا يفرح قلبك يا بنتي، ويعوضك
عن كل يوم صعب عيشتيه. مريم حضنتها، ودموعها نزلت. أنا بحبك يا ماما. الأم مسحت دموعها. وأنا بحبك أكتر من الدنيا كلها. عبد الرحمن قرب منهم، وكان واضح عليه التأثر. وقف قدام مريم وقال أنا عارف إن فيه حاجات كتير بيننا محتاجة وقت عشان تتصلح، لكن النهارده أنا عايز أقولك إني فخور بيكي، وإنك تستاهلي كل خير. مريم بصت له بحب، وقالت وجودك النهارده مهم عندي يا بابا. عبد الرحمن دمعت عينيه، وباس راسها. ربنا يسعدك يا بنتي. أما الشيخ الخليجي، فكان واقف في آخر الحديقة، بيستقبل الضيوف، ولما شاف مريم داخلة، سكت تمامًا. فضل باصص لها لدرجة إن محمود مدير القصر، اللي كان حاضرًا، قرب منه وهمس يا سيدي، لو حضرتك فضلت باصص كده، الناس هتفتكر إنك أول مرة تشوفها. الشيخ رد من غير ما يبعد عينه عنها أنا فعلًا كل يوم بشوف فيها حاجة جديدة. محمود ابتسم وقال ربنا يتمم بخير يا سيدي. بدأت مراسم الزواج، وكانت الكلمات بسيطة، لكن معناها كبير. ولما وقف الشيخ قدام مريم، قال لها بصوت هادي أنا مش بوعدك إني هكون كامل، لكن بوعدك إني هكون صادق معاكي. مش هخلي فلوسي أو اسمي يبقوا سبب إنك تحسي إنك أقل مني، ومش هطلب منك تتخلي عن نفسك عشان تبقي مناسبة لحياتي. أنا عايزنا نبني حياة نكون فيها إحنا الاتنين على طبيعتنا، ونختار كل يوم إننا نكمل مع بعض. مريم كانت دموعها بتنزل، لكنها ابتسمت وقالت وأنا بوعدك إني هكون شريكتك، مش مجرد شخص واقف جنبك. هقولك رأيي، وهختلف معاك لما أكون شايفة إنك غلطان، وهفرح لنجاحك من غير ما أنسى نجاحي. وهحاول كل يوم أبني معاك بيت يكون فيه أمان واحترام، حتى لو الدنيا بره البيت ما كانتش سهلة. نورة كانت بټعيط من الفرحة، وأم مريم مسحت دموعها، وكريم فضل يصفق بحماس لحد ما كل الناس ضحكت. وبعد انتهاء المراسم، الشيخ مسك إيد مريم، وبص لها بابتسامة واسعة. مبروك يا مريم. مريم ردت مبروك يا شيخنا. ضحك وقال لسه هتفضلي تناديني كده؟ لحد ما تثبت إنك تستحق اسم تاني. ضحكوا، وبدأت حياتهم الجديدة وسط التهاني والفرحة. بعد الزواج، سافروا للخليج عدة أيام عشان يقابلوا أفراد العيلة اللي ما قدروش يحضروا حفل مصر، وكان الشيخ حريص إن مريم تكون مرتاحة في كل خطوة. لكن في أول لقاء عائلي كبير، واحدة من قريباته قالت لمريم أكيد إنتي لسه مش متعودة على حياتنا، بس مع الوقت هتتعلمي إزاي تتصرفي في المناسبات الكبيرة. مريم ابتسمت باحترام وقالت أكيد كل واحد بيتعلم حاجات جديدة لما يدخل مجتمع مختلف. وأنا عندي استعداد أتعلم، طول ما فيه احترام متبادل. القريبة اتفاجئت من ردها، لكنها ما لقتش حاجة ترد بيها. الشيخ كان واقف قريب وسمع الكلام، لكنه ما تدخلش، لأنه شاف إن مريم قادرة تتعامل مع الموقف بنفسها. بعد اللقاء، سألها إنتي كويسة؟ مريم ردت أيوه. الناس مختلفة، وأنا مش مستنية كلهم يحبوني من أول يوم. الشيخ ابتسم. أنا بحب طريقتك في التفكير. مريم رفعت حاجبها. خلي بالك، الإعجاب ده ممكن يكلفك كتير. ضحك وقال أنا مستعد أدفع تمنه. وفي الأيام اللي قضوها في الخليج، مريم اتعرفت على عادات العيلة، وزارت الأماكن اللي كان الشيخ بيحبها وهو صغير، وسمعت منه حكايات عن طفولته وعن جده اللي كان بيصر إن كل فرد في العيلة يتعلم إدارة الأعمال من الصفر. وفي ليلة، كانوا قاعدين في الحديقة الخلفية للقصر، لما الشيخ قال لها عارفة إن جدي كان دايمًا يقول إن الإنسان اللي ما يعرفش يدير نفسه، مش هيعرف يدير أي حاجة تانية؟ مريم ابتسمت. واضح إنك كنت بتحتاج تسمع الكلام ده أكتر من مرة. ضحك. واضح جدًا. وبعدين بص لها بجدية. أنا عايزك تعرفي إن وجودك في حياتي مش هيغير علاقتي بأهلي للأسوأ. بالعكس، نفسي نكون سبب إنهم يتعلموا إن الاختلاف مش ټهديد. مريم قالت وأنا نفسي أكون جزءًا من حياتك، مش سبب إنك تبعد عن الناس اللي بتحبهم. الشيخ مسك إيديها. إنتي مش سبب البعد. إنتي سبب إني أتعلم أقرب بطريقة صح. بعد عودتهم لمصر، بدأوا يستقروا في بيتهم، وكانت الحياة اليومية مختلفة تمامًا عن أيام الخطوبة. كان الشيخ بيصحى بدري، ويقعد في مكتبه يتابع أعماله، بينما مريم كانت بتجهز نفسها للشغل، وأحيانًا كانوا يتقابلوا على الفطار لدقايق قليلة. في البداية، حصلت بينهم خلافات صغيرة، زي أي زوجين. مرة الشيخ نسي إنه وعدها يحضر افتتاح فرع جديد لمشروعها بسبب اجتماع طارئ، ومريم زعلت لأنه ما بلغهاش بدري. لما رجع البيت، لقاها قاعدة في غرفة المكتب، بتراجع الأوراق من غير ما تبص له. قرب منها وقال مريم، أنا عارف إنك زعلانة. ردت من غير ما ترفع عينيها مش زعلانة، أنا بس اتعلمت إن المواعيد اللي بنتفق عليها ممكن تتغير من غير ما حد يبلغني. الشيخ فهم إن الموضوع مش مجرد تأخير، لكنه إحساس إنها مش أولوية في بعض اللحظات. قعد قدامها وقال أنا غلطت. كان لازم أكلمك أول ما عرفت إن الاجتماع هيتأخر. ومش هبرر ده بالشغل، لأنك كنتي مستنياني في يوم مهم بالنسبة لك. مريم رفعت عينيها. أنا مش عايزاك تسيب شغلك عشاني، لكن عايزاك تحترم اتفاقاتنا زي ما بتحترم اتفاقات العمل. الشيخ هز راسه. عندك حق. وبعدها طلب منها تحكيله كل تفاصيل الافتتاح، وفضل يسمع لها لحد ما خلصت، واعتذر لها مرة تانية. وفي اليوم التالي، زار الفرع، وقدم التهنئة للفريق، لكنه ما حاولش ياخد أي فضل عن نجاح المشروع. مريم لاحظت ده، وحست إن الاعتذار ما كانش مجرد كلام. وفي مرة تانية، الشيخ رجع البيت متأخرًا، وكان مرهقًا، فمريم قررت إنها تجهز له عشا بسيط بنفسها. لكنها أحرقت جزءًا من الأكل، ولما دخل المطبخ وشاف الدخان، ضحك من غير ما يقصد. مريم بصت له پصدمة. بتضحك على إيه؟ الشيخ حاول يسيطر على ضحكته. أنا... أنا بس... مريم حطت المعلقة على الترابيزة وقالت اتفضل، كمل ضحك. واضح إنك متعود على طباخين بيعملوا كل حاجة. الشيخ فهم إنها اتضايقت، فقرب منها وقال لأ، أنا بضحك عشان أول مرة أشوف حد يحاول يعمل عشا وينتهي بيه الأمر إنه يختبر نظام الإنذار في البيت. مريم حاولت تمنع نفسها من الضحك، لكنها فشلت. والله لو ما سكت، هخليك تاكل الأكل المحروق كله. الشيخ رفع إيده. أنا مستعد، بس بشرط. إيه؟ تعمليلي شاي بعده. ضحكت وضړبته بخفة على كتفه، وفضلوا ينضفوا المطبخ سوا. كانت لحظات بسيطة، لكنها كانت بتبني بينهم حاجة أعمق من الانبهار الأول. وفي الوقت نفسه، مشروع مريم بدأ يكبر، وافتتحت فرعًا ثانيًا في منطقة قريبة، وبدأت تتعامل مع شركات أكبر. الشيخ كان فخورًا بها، لكنه كان بيحرص إنه ما يختلطش اسمه باسم المشروع، إلا لو هي طلبت منه رأيه في موضوع محدد. ومع مرور سنة تقريبًا، مريم قدرت توظف مجموعة جديدة من الشباب، وخصصت جزءًا من الأرباح لتدريب المندوبين على السلامة المهنية والتعامل مع الزبائن. وفي حفل صغير بمناسبة افتتاح الفرع الثاني، وقفت مريم قدام فريقها وقالت أنا عارفة إننا لسه في بداية الطريق، لكن اللي وصلناله مش بسبب شخص واحد. كل واحد فيكم ساهم في إن المشروع يكبر، وكل نجاح جاي لازم يكون لينا كلنا. الشيخ كان واقف في آخر القاعة، وبيصفق مع الجميع، وعينيه مليانة فخر. بعد الحفل، قرب منها وقال النهارده شفتك وإنتي بتعملي الحاجة اللي بتحبيها، وفهمت أكتر ليه كنتي مصممة من البداية إنك ما تتنازليش عن شغلك. مريم ابتسمت. أنا كنت خاېفة إن الجواز يغير حياتي لدرجة أنسى نفسي. الشيخ مسك إيديها وقال وأنا كنت خاېف من الجواز لدرجة إني ما اديتش نفسي فرصة أعيش. واضح إن كل واحد فينا كان محتاج يتعلم حاجة. مريم قالت وأهو بنتعلم. ومع مرور الوقت، علاقتهم بأهل مريم بدأت تتحسن. عبد الرحمن استقر في الورشة الجديدة، وبقى عنده دخل ثابت، وبدأ يسدد جزءًا من الديون بالتدريج. كريم نجح في الثانوية العامة، واتقبل في كلية الهندسة، وكان الشيخ أول واحد يتصل بيه يبارك له، لكنه رفض إنه يدفع مصاريفه من غير ما يتكلم مع مريم وأهلها. مريم قالت له لو عايز تساعده، ساعده بطريقة تخليه يحس إنه مسؤول عن مستقبله، مش إنه مدين لك. الشيخ وافق، واتفقوا إن كريم يقدم على منحة دراسية في برنامج دعم مستقل، وإن أي مساعدة إضافية تكون على شكل قرض تعليمي واضح الشروط لو احتاجه، بدل ما يحس إن حد بيشتري له مستقبله. كريم نجح في الحصول على منحة جزئية، وباقي المصاريف قدروا يغطوها من دخل الأسرة بالتعاون مع خطة مالية واضحة. عبد الرحمن شاف التغيير اللي حصل في حياة بنته، وبدأ يفهم إن الحب الحقيقي مش معناه السيطرة، وإن الأبوة مش مجرد أوامر. وفي يوم، طلب يقابل الشيخ لوحده. قعدوا في الورشة بعد ما العمال مشيوا، وعبد الرحمن قال أنا عايز أشكرك. الشيخ رد على إيه يا عم عبد الرحمن؟ على إنك احترمت بنتي، وما حاولتش تشتري رضاها بالفلوس. أنا كنت فاكر إن الراجل اللي عنده إمكانيات كبيرة ممكن ياخد اللي عايزه، لكن إنت علمتني إن فيه حاجات ما تتاخدش غير بالاحترام. الشيخ سكت، وبعدها قال أنا اتعلمت منها أكتر ما تتخيل. ومش هقولك إني ما غلطتش، لكن هي كانت بتفهمني كل مرة إن العلاقة مش منافسة، وإن القوة مش معناها إن الواحد يكسب كل نقاش. عبد الرحمن نزل عينيه وقال أنا أتمنى في يوم تسامحني مريم على كل اللي حصل. الشيخ رد بصدق المسامحة قرارها هي، ومش من حقي أتكلم بدلها. لكن اللي شايفه إنها بدأت تديك فرصة، وكل يوم بتثبت لها إنك بتحاول تتغير. عبد الرحمن هز راسه، وعينيه مليانة امتنان. وفي ليلة هادية، بعد ما رجعوا من زيارة أهل مريم، كانت مريم قاعدة في الحديقة، بتبص للنجوم، والشيخ خرج وقعد جنبها. قال لها إنتي ساكتة ليه؟ ابتسمت. بفكر في أول يوم شوفتك فيه. الشيخ ضحك. أنا كنت واقف عند البوابة زي الأهبل، ومش عارف أقول غير اسم الطلب. مريم ضحكت. وأنا كنت فاكرة إنك زبون غريب ومش عارف يطلب أكله. الشيخ قال لو كنت أعرف إن
كيس الأكل ده هيغير حياتي كلها، كنت طلبت اتنين. ضحكت من قلبها، وبعدها سكتت شوية. عارف؟ أنا كنت خاېفة جدًا في الفترة دي. كنت حاسة إن الدنيا كلها واقفة ضدي، وإن أي حد يقرب مني أكيد عايز حاجة. الشيخ مسك إيديها. وأنا كنت خاېف من فكرة إني أشارك حد حياتي، لدرجة إني كنت برفض أي فرصة قبل ما أعرف حقيقتها. مريم بصت له. يعني إحنا الاتنين كنا بنهرب. أيوه. بس المرة دي ما هربناش. الشيخ ابتسم. المرة دي اخترنا نواجه. وفي اللحظة دي، مريم حست إن الحكاية اللي بدأت عند بوابة قصر، وسط كيس أكل بسيط ونظرة طويلة، وصلت أخيرًا للمكان اللي كانت محتاجاه. مش نهاية فيها حياة مثالية، ولا وعد إنهم مش هيختلفوا أبدًا، لكن بداية فيها اتنين عرفوا إن الحب مش إنك تلاقي شخص يكملك لأنك ناقص، بل إنك تلاقي شخص يحترمك وإنت بتكمل طريقك، ويختار يمشي جنبك من غير ما يطلب منك تتنازل عن نفسك. وبعد شهور، في صباح يوم جديد، مريم كانت واقفة في المطبخ بتحضر الفطار، والشيخ دخل وهو لابس ملابس بسيطة، وشعره لسه مبلول من الدش. بص للأطباق على الترابيزة، وبعدها بص لها وقال هو مفيش غير الأكل ده كل يوم؟ مريم وقفت مكانها، وبصت له پصدمة مصطنعة، وبعدها اڼفجرت في الضحك. إنت بتقلد أول يوم شوفتني فيه؟ الشيخ ضحك وقال أيوه، بس المرة دي أنا مش هطلب من مطعم. أنا عايز أتعلم أطبخ. مريم حطت إيديها على وسطها وقالت إنت؟ تطبخ؟ ده أنا لازم أجهز طفاية حريق. الشيخ قرب منها وقال ممكن تضحكي براحتك، بس أنا مصمم. وبالفعل، وقف جنبها وبدأ يساعدها، لكنه حط الملح بدل السكر في الشاي، وفتح درج الملاعق بدل درج السكاكين، ولما حاول يقلب البيض، وقع جزء منه على الرخامة. مريم كانت بتضحك لدرجة إنها مش قادرة تتكلم. الشيخ بص لها وقال أنا حاسس إنك مستمتعة بفشلي أكتر من إنك عايزة تعلّميني. مريم مسحت دموع الضحك وقالت بصراحة؟ أيوه. ضحك، وبعدها قرب منها وحضنها برفق. طب علميني يا ستي، أنا لسه بتعلم. مريم رفعت عينيها له، وابتسمت. وأنا كمان لسه بتعلم. وفي اللحظة دي، رن موبايلها، وكان اتصال من مدير الفرع الجديد، بيبلغها إنهم استلموا أول عقد كبير مع سلسلة محلات، وإن المشروع حقق نموًا أفضل من المتوقع. مريم صړخت من الفرحة، والشيخ رفع إيده وقال استني، أنا اللي هعمل الشاي احتفالًا بالخبر. مريم ضحكت وقالت لأ، الشاي ده مش هنعمله غير لما نأمن البيت الأول. ضحكوا، وخرجوا للحديقة، حاملين فطارًا بسيطًا، وقعدوا جنب بعض تحت شجرة الياسمين. مريم بصت له وقالت تفتكر لو كنت قفلت الباب يوم ما جبتلك الطلب، كان إيه اللي هيحصل؟ الشيخ فكر لحظة، وبعدها قال غالبًا كنت هفضل أرفض البنات، وإنتي كنتي هتكملي حياتك، ويمكن كنا عمرنا ما نتقابل تاني. مريم ابتسمت. يعني كل ده بدأ من باب؟ الشيخ مسك إيديها وقال لأ، بدأ من قرار إننا ما نحكمش على بعض من أول لحظة، وإننا ندي نفسنا فرصة نعرف الحقيقة. مريم سكتت، وبعدها حطت راسها على كتفه. كانت عارفة إن الحياة هتفضل فيها أيام صعبة، وإن الشغل والمسؤوليات والاختلافات مش هتختفي، لكن بقى عندها بيت تحس فيه بالأمان، وشخص يسمعها من غير ما يطلب منها تسكت، وحلم بتبنيه بإيديها، وعيلة بدأت تتعلم إن الاعتذار والتغيير ممكن يصلحوا حاجات كتير. أما الشيخ الخليجي، فكان أخيرًا فهم إن الجواز مش صفقة
تم نسخ الرابط